يُعدّ مرض رينود واحدًا من الاضطرابات الوعائية التي تؤثر في استجابة الأطراف للبرد أو التوتر، ويظهر غالبًا بشكل نوبات قصيرة. ورغم أن الأعراض قد تبدو بسيطة في بدايتها، إلا أنها تعكس تغيرًا في سلوك الأوعية الدموية الدقيقة. يساعد التعرف على طبيعة الحالة في فهم أسبابها المحتملة وتمييز شكلها الأولي عن الحالات المرتبطة بأمراض أخرى. ويتيح ذلك اختيار التقييم الطبي المناسب والبدء بخيارات علاج فعّالة عند الحاجة.
ما هو مرض رينود؟
يُعدّ مرض رينود، والذي يُسمّى أيضاً متلازمة رينود أو ظاهرة رينود، اضطرابًا يؤثر في الأوعية الدموية الصغيرة المسؤولة عن تروية أصابع اليدين، وقد يشمل أحيانًا شحّ الدم الواصل إلى أصابع القدمين أو شحمة الأذن أو الأنف أو الشفتين. يحدث ذلك نتيجة تشنّج مفاجئ في الأوعية الدموية عند التعرّض للبرد أو التوتر، مما يؤدي إلى تراجع مؤقت في تدفق الدم وظهور نوبات من تغيّر لون الجلد والشعور بالبرودة أو التنميل.

أنواع مرض رينود
قبل التفريق بين النوعين، من المهم فهم أن هذا الاضطراب لا يظهر بصورة واحدة لدى جميع المرضى؛ فهو قد يكون حالة بسيطة منعزلة أو قد يكون مؤشراً على مرض آخر في الجسم، وبناءً على ذلك يظهر مرض رينود بنمطين رئيسيين:
1) رينود الأولي
يُعدّ الشكل الأكثر شيوعاً والأخف من حيث الأعراض، وغالباً ما يبدأ في سن مبكرة، خصوصاً بين الأعمار 15–25 عاماً. لا يرتبط هذا النوع عادةً بأي أمراض أخرى، ويظهر بشكل نوبات متقطعة تستجيب للدفء وتتراجع تلقائياً. كما يُلاحظ حدوثه بشكل أكبر لدى الإناث ولدى الأشخاص القاطنين في المناطق الباردة.
2) رينود الثانوي
يُعدّ أقل شيوعاً لكنه أكثر شدة، ويظهر عادة في مرحلة لاحقة من الحياة، غالباً بين الأعمار 35–40 عاماً. يتميّز بحدوثه كجزء من حالة صحية أخرى، وقد ترافقه أعراض أشد أو تغيّرات دائمة في الأوعية، ما يستدعي تقييماً طبياً دقيقاً لتحديد العامل الكامن وراءه.
أسباب مرض رينود
لا يُعرف السبب الدقيق لمرض رينود حتى الآن، إلا أن الدراسات تشير إلى وجود اضطراب في آلية تضيق الأوعية الدموية عند التعرّض للبرد أو التوتر، ويختلف سبب حدوث الحالة باختلاف نوعها؛ فالشكل الأولي لا يوجد له سبب واضح، بينما يرتبط الشكل الثانوي بمجموعة من الأمراض أو العوامل التي تؤثر في تروية الأطراف أو في وظيفة الأوعية الدموية.
أولاً: أمراض وحالات طبية قد تسبب رينود الثانوي
ترتبط العديد من الاضطرابات بظهور مرض رينود الثانوي بسبب تأثيرها في الأوعية الدموية أو الجهاز المناعي، وتشمل أهمها:
- أمراض النسيج الضام: الذئبة، التصلّب الجلدي، ومتلازمة CREST
- أمراض الشرايين: مرض بورغر، تضيق أو تصلب الشرايين الطرفية
- أمراض المناعة الذاتية: التهاب المفاصل الروماتويدي، متلازمة شوغرن
- أمراض العضلات والجلد: التهاب الجلد والعضلات، التهاب العضلات المتعدد
- حالات أخرى: فرط ضغط الدم الرئوي، اضطرابات الغدة الدرقية، وبعض أمراض الدم
ثانياً: الأدوية والمواد التي قد تثير نوبات رينود
قد تؤدي بعض الأدوية أو المواد الكيميائية إلى تضيق الأوعية الدموية، مما يزيد احتمال حدوث نوبات مرض رينود، ومنها:
- حاصرات بيتا
- النيكوتين والكوكايين
- التعرض للمواد الراتنجية
- المنبهات مثل الكافيين وبعض أدوية فرط الحركة ADHD
- أدوية العلاج الكيميائي (مثل vinblastine وbleomycin)
- الأدوية المميّدة للأوعية المستخدَمة للصداع النصفي (مثل إرغوتامين)
- أدوية احتقان الأنف المحتوية على phenylephrine أو pseudoephedrine
ثالثاً: عوامل ميكانيكية أو بيئية
تشمل العوامل التي قد تؤدي إلى اضطراب التروية في الأطراف:
- الإصابات أو الصدمات المتكررة على اليد
- استعمال الأدوات الاهتزازية لفترات طويلة
- التعرض للبرد الشديد أو الإصابة بقضمة الصقيع
- الحركات المتكررة مثل العزف على البيانو أو العمل اليدوي الصارم
رابعاً: تغيرات في خصائص الدم
في بعض الحالات، قد يساهم ازدياد لزوجة الدم أو ارتفاع عدد الصفيحات أو الكريات الحمراء في تحفيز حدوث النوبات عبر الحدّ من تدفق الدم في الشعيرات الطرفية.

أعراض مرض رينود
تظهر أعراض مرض رينود على شكل نوبات متقطعة تحدث غالبًا عند التعرّض للبرد أو التوتر، وتؤثر في أصابع اليدين بشكل أساسي، كما قد تمتد إلى أصابع القدمين أو الأذنين أو الأنف أو الشفتين. تتراوح شدة الأعراض بين نوبات خفيفة قصيرة وأعراض أكثر وضوحًا لدى الأشخاص الذين يعانون من الشكل الثانوي، أشيَع أعراض مرض رينود تشمل:
- تغيّر لون الجلد في الأصابع ليصبح شاحبًا أو أبيض، ثم قد يميل إلى الأزرق قبل أن يعود إلى الاحمرار عند تحسّن التروية
- تنميل أو وخز عند عودة الدم للتدفق، وقد يترافق مع إحساس بالنبض أو الألم الخفيف
- الإحساس بالبرودة والخدر في الجزء المصاب أثناء النوبة
- تورّم مؤقت في الأصابع بعد زوال النوبة لدى بعض الأشخاص

عوامل الخطر للإصابة بمرض رينود
تختلف عوامل الخطورة بين النوع الأولي والثانوي من مرض رينود، إذ تميل بعض الفئات إلى الإصابة بالحالة أكثر من غيرها. ولا تسبب هذه العوامل المرض بشكل مباشر، لكنها تزيد احتمال حدوث نوبات تضيق الأوعية لدى الأشخاص المعرّضين له.
تشمل عوامل الخطر لمرض رينود الأولي:
- الجنس: يصيب النساء أكثر من الرجال بشكل واضح.
- العمر: غالباً ما يبدأ قبل سن 30، وخاصة خلال سنوات المراهقة وبداية الشباب.
- المناخ: يشيع لدى الأشخاص الذين يعيشون في المناطق الباردة.
- التاريخ العائلي: وجود إصابة مماثلة لدى أحد أفراد العائلة يزيد احتمال ظهور الحالة.
وتشمل عوامل الخطر لمرض رينود الثانوي:
- التدخين، إذ يزيد من تضيّق الأوعية الدموية ويُضعف تروية الأطراف
- طبيعة العمل، كالاستخدام المتكرر للأدوات الاهتزازية أو العمل لفترات طويلة في أجواء باردة
- التعرّض المهني لبعض المواد الكيميائية، مثل بعض المذيبات أو المواد المستخدمة في الصناعات البلاستيكية
- الإصابة بأمراض مزمنة معينة، وخصوصاً أمراض المناعة الذاتية وأمراض النسيج الضام أو بعض اضطرابات الأعصاب والعضلات
- تناول أدوية تؤثر في انقباض الأوعية الدموية، مثل بعض أدوية ارتفاع الضغط أو أدوية الشقيقة أو أدوية اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه
تشخيص مرض رينود
يعتمد تشخيص مرض رينود على تقييم شامل يجمع بين التاريخ المرضي والفحص السريري وملاحظة طبيعة النوبات التي تتكرر عند التعرّض للبرد أو التوتر. قد يطلب الطبيب من المريض وصف تغيرات اللون أو حتى تصويرها أثناء حدوث النوبة، لأن رؤية التسلسل اللوني يساعد في تأكيد التشخيص، وفي بعض الحالات خاصة عندما تبدأ الأعراض بعد سن 35، يتم إجراء فحوص إضافية للتحقق مما إذا كانت الحالة أولية أم مرتبطة بمرض آخر. للتفريق بين النوع الأولي والثانوي، قد تُستخدم مجموعة من الفحوص، أهمها:
- تنظير الشعيرات الدموية حول الأظافر: يتم وضع قطرة زيت على قاعدة الظفر وفحص الشعيرات تحت المجهر لرصد أي توسع أو تشوه، وهي علامات قد تشير إلى وجود أمراض النسيج الضام.
- اختبار التحفيز بالبرد: تُعرَّض اليد لبيئة باردة لملاحظة تغيّر اللون وشدة التفاعل الوعائي.
- تحاليل الدم المختلفة التي تساعد على كشف الأمراض المؤهبة لرينود الثانوي، وتشمل:
- اختبار الأجسام المضادة النووية ANA للكشف عن أمراض المناعة الذاتية
- سرعة ترسب الكريات الحمراء ESR لتقييم وجود التهاب أو اضطراب مناعي
- تعداد الدم الكامل CBC للتحقق من اضطرابات الدم
- اختبار العامل الروماتويدي RF عند الاشتباه بأمراض المفاصل الالتهابية
- تحاليل إضافية مثل فحص البول أو تسجيل حجم النبض لقياس تدفق الدم في الأطراف عند الحاجة
يساعد هذا التقييم المتكامل في تأكيد التشخيص وتحديد ما إذا كان مرض رينود حالة أولية بسيطة أم علامة على اضطراب آخر يحتاج إلى متابعة دقيقة.
مضاعفات مرض رينود
تكون مضاعفات مرض رينود نادرة في الشكل الأولي وغالباً ما تبقى الأعراض بسيطة ومؤقتة، بينما ترتفع احتمالية حدوثها عند المرضى المصابين بالشكل الثانوي المرتبط بأمراض مناعية أو اضطرابات وعائية. تنجم هذه المضاعفات عن نقص التروية المتكرر للأصابع وما يسببه من ضعف في التئام الأنسجة. من أهم المضاعفات المحتملة:
- الالتهابات الموضعية بسبب تشققات الجلد وقلة تدفق الدم
- تقرحات جلدية مؤلمة على أطراف الأصابع نتيجة نقص الأوكسجين وتكرار نوبات انقطاع الدم
- ضعف التئام الجروح في الأصابع أو القدمين عند المرضى الذين يعانون من اضطرابات وعائية مرافقة
- تراجع القدرة الوظيفية لليد في الحالات الشديدة، ما يؤثر على الحركات الدقيقة بسبب الألم والحساسية للبرد
- الغرغرينا وهي مضاعفة نادرة جداً، تحدث عند انقطاع التروية لفترات طويلة وقد تحتاج إلى إجراءات جراحية إذا لم تُعالج مبكراً
علاج مرض رينود
يعتمد علاج مرض رينود على شدة الأعراض ونوع الحالة (أولية أو ثانوية)، ويهدف بالدرجة الأولى إلى تقليل عدد النوبات، والحدّ من شدتها، ومنع حدوث الضرر في الأنسجة. غالباً ما تساعد التغييرات اليومية البسيطة على السيطرة على الأعراض، بينما تتطلب الحالات الشديدة اللجوء إلى الأدوية أو إجراءات خاصة لتحسين التروية الدموية.
أولاً: تغييرات أسلوب الحياة للحد من النوبات
تُعدّ تعديلات نمط الحياة الخطوة الأساسية في السيطرة على مرض رينود، إذ تساعد على تقليل تكرار النوبات وتخفيف شدّتها قبل الحاجة إلى أي علاج دوائي، من أهم الخطوات:
- تجنّب لمس الأجسام الباردة أو البقاء في أماكن شديدة التكييف
- التخفيف من التعرّض للمواد المحفّزة مثل النيكوتين والكافيين
- ارتداء ملابس دافئة في البرد وخاصة القفازات والجوارب السميكة
- تجنّب التوتر والانفعال، ومحاولة الابتعاد عن المواقف التي تحفّز النوبات قدر الإمكان
- تدفئة اليدين أو القدمين عند بدء النوبة عبر الماء الدافئ (وليس الحار)، أو وضع اليدين تحت الإبطين، أو تحريك الأصابع
ثانياً: الأدوية المستخدمة في علاج الحالات المتوسطة إلى الشديدة
عندما لا تكفي الإجراءات الحياتية وحدها للسيطرة على الأعراض، قد يلجأ الطبيب إلى العلاج الدوائي الذي يهدف إلى تحسين تدفق الدم وتخفيف التشنجات الوعائية. أهم الأدوية تشمل:
- حاصرات قنوات الكالسيوم: مثل nifedipine، amlodipine، felodipine تساعد على إرخاء الأوعية الدموية وتقليل عدد النوبات، كما تساهم في شفاء التقرحات.
- موسّعات الأوعية: وتشمل losartan، وبعض أدوية الضعف الجنسي (مثل sildenafil)، ودواء fluoxetine، إضافة إلى البروستاغلاندينات التي تحسّن التروية الطرفية.
- المراهم الموضعية: مثل مراهم النيتروغليسرين التي تُستخدم لتحسين تدفق الدم في المناطق المصابة، خاصة عند وجود تقرحات.
- حاصرات ألفا: تعمل على مواجهة تأثير النورإبينفرين الذي يسبب تضيق الأوعية.
ثالثاً: الإجراءات المتقدمة للحالات الشديدة
في الحالات الشديدة أو المستعصية التي لا تستجيب للعلاج المحافظ، قد تُستخدم إجراءات طبية أو جراحية تهدف إلى تقليل التشنج العصبي للأوعية ومنع حدوث المضاعفات. تشمل أهم الاجراءات:
- الجراحة العصبية (قطع الودي): تهدف إلى تعطيل الأعصاب التي تحفّز تضيق الأوعية، وقد تقلل من النوبات لفترة تتراوح بين سنة وسنتين، مع احتمال الحاجة لتكرارها لاحقًا.
- الحقن الكيميائية أو حقن البوتوكس: تُستخدم لإيقاف الإشارات العصبية المسببة لانقباض الأوعية، ويمكن تكرارها إذا عادت الأعراض.
- علاج السبب الأساسي في حالة رينود الثانوي: مثل السيطرة على الذئبة أو التهاب المفاصل الروماتويدي، وهو عنصر أساسي لمنع تفاقم الحالة.
الوقاية من مرض رينود
يمكن التخفيف من نوبات مرض رينود وتقليل تكرارها من خلال اتباع مجموعة من الإجراءات الوقائية التي تستهدف تقليل تحفيز الأوعية الدموية وتجنب المثيرات التي تزيد من حساسية الأطراف. تهدف هذه الخطوات إلى تحسين تدفق الدم والمحافظة على استقرار الأوعية الصغيرة قدر الإمكان، وتشمل:
- تقليل التعرّض المفاجئ للبرد من خلال الانتقال التدريجي بين الأماكن الدافئة والباردة وتجنّب لمس الأسطح الباردة مباشرة
- تجنب الاهتزازات المتكررة الناتجة عن الأدوات الصناعية أو الأنشطة التي ترهق اليدين لفترات طويلة
- الحدّ من تناول الكافيين والمنبهات التي قد تؤثر في تروية الأطراف لدى بعض الأشخاص الحساسين
- مراقبة الأدوية المستخدمة والتحدث مع الطبيب إذا كانت هناك أدوية قد تزيد من احتمال حدوث النوبات
- الإقلاع عن التدخين لأنه يزيد من حساسية الأوعية الدموية ويؤدي إلى تضيقها بسهولة أكبر
- اختيار أنشطة بدنية معتدلة تساعد على تحفيز الدورة الدموية بشكل طبيعي دون إرهاق الأطراف
- الانتباه للإصابات المتكررة في اليدين أو القدمين ومعالجتها مبكرًا لتجنب زيادة حساسية الأوعية الدموية
تساعد هذه الإجراءات اليومية على تقليل تكرار نوبات مرض رينود وحدّة الأعراض، لكنها لا تُغني عن التقييم الطبي عند استمرار المشكلة أو ازدياد شدتها مع الوقت.
في الختام، يُعدّ مرض رينود حالة شائعة يمكن التعايش معها عند فهم مسبباتها والتعامل الصحيح مع محفّزاتها، ويساعد التشخيص المبكر في تجنّب المضاعفات وتحسين السيطرة على الأعراض اليومية، ومع توفر وسائل علاجية فعّالة ورعاية متخصّصة في تركيا، يستطيع المريض الوصول إلى تقييم دقيق وخطط علاجية مناسبة. يقدّم مركز بيمارستان الطبي الدعم اللازم لمرافقة المريض خلال رحلته العلاجية بأعلى مستوى من الجودة والاهتمام.
المصادر:
- MedlinePlus. (2024, June 11). Raynaud phenomenon. U.S. National Library of Medicine.
- Johns Hopkins Medicine. (2025). Raynaud’s phenomenon.
