يُعدّ تضيق الشريان تحت الترقوة من الاضطرابات الوعائية التي قد تؤثر على تدفّق الدم إلى الذراع وأحياناً إلى الدماغ، ما يؤدي إلى ظهور أعراض تختلف شدتها من شخص لآخر، في كثير من الحالات يتطور التضيق بشكل تدريجي دون ملاحظته في المراحل المبكرة، ثم يبدأ بالتسبب بمشكلات وظيفية مع تقدّم الحالة. حيث يساهم التشخيص المبكر واختيار علاج تضيق الشريان تحت الترقوة المناسب في تقليل المضاعفات وتحسين القدرة على ممارسة الأنشطة اليومية وجودة الحياة.
ما هو تضيق الشريان تحت الترقوة؟
تضيق الشريان تحت الترقوة هو حالة يحدث فيها تضيّق في أحد الشرايين الرئيسية المسؤولة عن إيصال الدم الغني بالأكسجين إلى الذراع، وقد يؤثر أيضاً على تروية العنق أو الرأس. يحدث هذا التضيق غالباً بسبب تراكم اللويحات داخل الشريان، وهي مزيج من الدهون والكوليسترول، ما يؤدي إلى انخفاض تدفّق الدم إلى المناطق التي يغذّيها الشريان.
يُعدّ تضيق الشريان تحت الترقوة شكلاً من أشكال مرض الشرايين المحيطية، وهو مشابه لما يحدث عند تضيق الشرايين في الساقين، في كثير من الحالات لا تظهر أعراض واضحة لأن شرايين أخرى قد تعوّض نقص التروية، إلا أن بعض المرضى قد يعانون من أعراض في الذراع أو أعراض عصبية عابرة. غالباً ما يحدث التضيق في الجهة اليسرى أكثر من اليمنى، ونادراً ما يصيب الشريانين معاً. تشير الإحصاءات إلى أن هذه الحالة موجودة لدى نسبة تتراوح بين 2% و7% من عامة الناس، وترتفع النسبة لدى المصابين بأمراض وعائية محيطية.

أسباب تضيق الشريان تحت الترقوة
يحدث تضيق الشريان تحت الترقوة نتيجة مجموعة من الأسباب التي تؤدي إلى تضيّق لمعة الشريان أو التأثير على بنيته، ومن أبرزها:
- تصلّب الشرايين الناتج عن تراكم الدهون والكوليسترول داخل جدار الشريان
- أمراض التهابية تصيب الأوعية الدموية، مثل التهاب الشرايين بما في ذلك مرض تاكاياسو
- التعرّض للعلاج الشعاعي لمنطقة الصدر
- الضغط الخارجي على الشريان كما في متلازمة مخرج الصدر
- اضطرابات بنيوية في جدار الشريان مثل خلل التنسّج العضلي الليفي أو نمو الخلايا غير الطبيعي
- إصابة مباشرة في الشريان نتيجة رضوض أو عمليات جراحية سابقة
- عيوب خلقية يكون فيها الشريان تحت الترقوة غير مكتمل النمو أو غائباً جزئياً
عوامل خطر الإصابة بتضيق الشريان تحت الترقوة
توجد عوامل تزيد من احتمال الإصابة بتضيق الشريان تحت الترقوة، وترتبط غالباً بنمط الحياة أو بالحالة الصحية العامة، وتشمل:
- التقدّم في العمر، خاصة بعد سن الخمسين، أو وجود تاريخ عائلي لأمراض الشرايين أو القلب أو السكتة الدماغية
- التدخين الحالي أو السابق
- ارتفاع ضغط الدم، والسكري، وارتفاع مستويات الكوليسترول
- زيادة الوزن أو السمنة مع قلة النشاط البدني وسوء التغذية
- الإصابة بمرض الشرايين المحيطية في الأطراف السفلية أو وجود تاريخ سابق للإصابة بسكتة دماغية أو نوبة قلبية
أعراض تضيق الشريان تحت الترقوة
في كثير من الحالات، لا يسبب تضيق الشريان تحت الترقوة أعراضاً واضحة، خاصة عندما يكون التضيق خفيفاً أو يتطور ببطء، إذ قد تعوّض أوعية دموية أخرى نقص التروية. تظهر الأعراض عادةً عند ازدياد شدة التضيق، وغالباً عندما يتجاوز الانسداد نحو 50% من قطر الشريان، وقد تختلف الأعراض بحسب المنطقة المتأثرة بنقص التروية.
أعراض تضيق الشريان تحت الترقوة في الذراع
تظهر هذه الأعراض نتيجة نقص تدفّق الدم إلى الطرف العلوي، وتزداد عادةً مع الجهد أو عند استخدام الذراع لفترات طويلة، وتشمل:
- ألم في الذراع أو شعور بالتعب العضلي عند استخدامها
- تشنجات أو تقلصات عضلية في الذراع المصابة
- خدر أو تنميل في الذراع أو اليد
أعراض تضيق الشريان تحت الترقوة العصبية
في بعض الحالات، يكون التضيق في الشريان تحت الترقوة قريباً من بدايته، ما يؤدي إلى نقص تدفّق الدم إلى الذراع. عندها يلجأ الجسم إلى آلية تعويضية، حيث يتم سحب الدم من الشريان الفقري المجاور بدلاً من أن يتجه نحو الدماغ، ليغذّي الذراع المصابة. تُعرف هذه الحالة باسم متلازمة سرقة الشريان تحت الترقوة (Subclavian steal syndrome).
نتيجة نقص التروية الدموية الواصلة إلى الدماغ، قد تظهر أعراض عصبية، تشمل:
- دوخة أو دوار، وقد يترافق ذلك مع شعور بقرب فقدان الوعي أو الإغماء
- أعراض أقل شيوعاً مثل الارتباك أو فقدان السمع المؤقت
- اضطرابات في الرؤية أو التوازن
كيف يتم تشخيص تضيق الشريان تحت الترقوة؟
يعتمد تشخيص تضيق الشريان تحت الترقوة على التقييم السريري أولاً، ثم استخدام فحوصات تصويرية لتأكيد التشخيص وتحديد موقع التضيق وشدته وتأثيره على تدفّق الدم. يبدأ الطبيب بفحص المريض ومقارنة التروية بين الطرفين العلويين، ثم يختار وسيلة التصوير الأنسب بحسب شدة الأعراض والاشتباه السريري. تشمل وسائل التشخيص ما يلي:
- الفحص السريري وقياس ضغط الدم في الذراعين: يتم فحص النبض في الذراعين والرسغين، مع قياس ضغط الدم في كلا الذراعين ومقارنتهما، حيث قد يشير وجود فرق يزيد عن 10 – 15 ملم زئبق إلى تضيق في الشريان تحت الترقوة، كما قد تُلاحظ برودة اليد المصابة أو يُسمع صوت غير طبيعي عند فحص الشريان بالسماعة الطبية.
- التصوير بالموجات فوق الصوتية: فحص غير باضع يُستخدم لتقييم تدفّق الدم داخل الشريان تحت الترقوة، ويساعد على الكشف عن وجود التضيق وتقدير شدته من خلال دراسة سرعة واتجاه جريان الدم.
- التصوير الطبقي المحوري الوعائي (CT angiogram): يُستخدم للحصول على صور تفصيلية للشرايين باستخدام الأشعة المقطعية مع مادة ظليلة، مما يساعد على تحديد مكان التضيق وشدته بدقة.
- التصوير الوعائي بالرنين المغناطيسي: فحص تصويري يُظهر الشرايين وتدفّق الدم باستخدام الرنين المغناطيسي، ويُعدّ خياراً مناسباً في بعض الحالات لتقييم الشرايين دون استخدام الأشعة السينية.
- التصوير الوعائي التقليدي: فحص باضع يتم خلاله إدخال قسطرة رفيعة إلى أحد الشرايين وحقن مادة ظليلة لتصوير الشريان تحت الترقوة بشكل مباشر، وفي بعض الحالات تُستخدم تقنية الطرح الرقمي التي تساعد على إظهار الأوعية الدموية بوضوح أكبر عبر تقليل ظهور البنى غير الوعائية مثل العظام في الصورة.

متى يحتاج تضيق الشريان تحت الترقوة إلى علاج؟
لا يحتاج جميع المرضى المصابين بتضيق الشريان تحت الترقوة إلى علاج تدخلي، إذ يمكن الاكتفاء بالمراقبة الطبية والمتابعة في الحالات الخفيفة التي لا تُسبب تأثيراً سريرياً واضحاً. في هذه الحالات، يركّز التدبير على التحكم بعوامل الخطر والمتابعة الدورية لتقييم تطوّر الحالة.
يُصبح العلاج ضرورياً عند تطوّر الحالة سريرياً أو عند وجود دلائل على تأثير التضيق في التروية الدموية للطرف العلوي أو الدماغ، أو في حال كان التضيق شديداً ومؤثراً وظيفياً. كما يُؤخذ بعين الاعتبار فشل التدبير المحافظ في تحقيق الاستقرار، أو ازدياد شدة التضيق مع الزمن. يعتمد القرار العلاجي النهائي على شدة التضيق، نتائجه الوظيفية، والحالة الصحية العامة للمريض، ويتم اتخاذه بعد تقييم شامل من قبل الفريق الطبي.
طرق علاج تضيق الشريان تحت الترقوة
يعتمد علاج تضيق الشريان تحت الترقوة على شدة التضيق، وجود الأعراض، وتأثير الحالة على التروية الدموية. تتدرج الخيارات العلاجية من العلاج المحافظ في الحالات الخفيفة، إلى التداخل الوعائي أو الجراحة في الحالات الأكثر تقدّماً.
العلاج الدوائي والمتابعة
يُستخدم العلاج المحافظ لدى المرضى المصابين بتضيق خفيف أو غير عرضي، ويهدف إلى الحد من تطوّر المرض وتقليل خطر المضاعفات، ويشمل:
- الأدوية: أدوية لمنع تشكّل الجلطات وتحسين تدفّق الدم، إضافة إلى أدوية لضبط ضغط الدم، وخفض الكوليسترول، والسيطرة على مستويات السكر في الدم عند الحاجة.
- تعديل عوامل الخطر: التوقف عن التدخين، وضبط عوامل الخطورة الوعائية التي تساهم في تطور التضيق.
- النظام الغذائي والنشاط البدني: اتباع نظام غذائي منخفض الدهون المشبعة والكوليسترول والصوديوم، مع الالتزام بنشاط بدني مناسب وفق توجيهات الطبيب.
يُعد هذا النهج علاجاً وقائياً، ولا يؤدي إلى إزالة التضيق نفسه، لكنه قد يكون كافياً في بعض الحالات.
العلاج بالقسطرة (التداخل الوعائي)
يُعد العلاج بالقسطرة خياراً تدخلياً شائعاً لفتح الشريان المتضيّق وتحسين التروية الدموية. يتميّز هذا الإجراء بأنه:
- أقل بضعاً من الجراحة المفتوحة
- يُجرى عادة تحت تخدير موضعي
- يسمح بعودة المريض إلى منزله في اليوم نفسه في معظم الحالات
العلاج الجراحي
يُستخدم العلاج الجراحي في حالات محددة، مثل وجود انسداد كامل في الشريان، أو عند عدم ملاءمة العلاج بالقسطرة أو فشله. يكون التدخل الجراحي في هذه الحالات عبارة عن إجراء مجازة (Bypass)، حيث يتم تحويل مسار الدم حول الجزء المسدود من الشريان باستخدام وعاء دموي آخر لتحسين التروية الدموية للطرف العلوي.
يُعد هذا الخيار أكثر بضعاً مقارنة بالتداخل الوعائي، ويتطلب تخديراً عاماً وتحضيراً طبياً كاملاً، ويُستخدم عادةً في الحالات التي لا يمكن علاجها بالطرق الأقل تدخلاً.
خطوات علاج تضيق الشريان تحت الترقوة بالقسطرة
يُعدّ العلاج بالقسطرة من الخيارات التدخلية الشائعة لعلاج تضيق الشريان تحت الترقوة، خاصة عندما يكون التضيق مؤثراً على التروية الدموية. يهدف هذا الإجراء إلى إعادة فتح الشريان وتحسين تدفّق الدم بطريقة طفيفة التداخل مقارنة بالجراحة المفتوحة.
تتم خطوات الإجراء على النحو التالي:
- إعطاء تخدير موضعي في منطقة إدخال القسطرة
- إدخال قسطرة رفيعة عبر شريان في الذراع أو الرسغ تحت توجيه الأشعة
- توجيه القسطرة إلى موضع التضيق داخل الشريان تحت الترقوة
- نفخ بالون صغير داخل المنطقة المتضيّقة لتوسيع الشريان ودفع الترسبات إلى الجدار
- وضع دعامة داخل الشريان عند الحاجة للمساعدة على إبقائه مفتوحاً وتقليل احتمال عودة التضيق
يستغرق الإجراء عادةً من ساعة إلى ساعتين بحسب الحالة، ويمكن للمريض في معظم الحالات مغادرة المستشفى في اليوم نفسه بعد فترة مراقبة قصيرة، مع فترة تعافٍ أقصر مقارنة بالجراحة المفتوحة.

تُظهر الصور (A–C) تسلسلاً لإجراء توسيع الشريان تحت الترقوة بالبالون مع وضع دعامة معدنية لإعادة فتح الوعاء وتحسين الجريان الدموي.
نتائج العلاج والمتابعة بعد القسطرة
تُظهر الدراسات أن معدلات النجاح الأولي لتوسيع الشريان تحت الترقوة بالقسطرة مرتفعة عند اختيار المرضى بشكل مناسب، مع تحسّن واضح في الأعراض خلال فترة قصيرة بعد الإجراء. في معظم الحالات، يستمر تحسن التروية الدموية على المدى المتوسط والطويل عند الالتزام بالعلاج والمتابعة.
بعد القسطرة، يخضع المريض لمتابعة طبية دورية للتأكد من بقاء الشريان مفتوحاً وعدم عودة التضيق، تشمل المتابعة عادةً الفحص السريري وقياس ضغط الدم في الذراعين، وقد يُطلب إجراء تصوير بالموجات فوق الصوتية لمراقبة تدفّق الدم داخل الشريان.
يُنصح المرضى بالالتزام بالعلاج الدوائي الموصوف، والذي قد يشمل أدوية مضادة للصفيحات وأدوية لضبط ضغط الدم والكوليسترول، إضافة إلى الاستمرار في تعديل عوامل الخطر مثل التوقف عن التدخين وضبط السكري. تساعد هذه الإجراءات على تقليل احتمال عودة التضيق وتحسين النتائج طويلة المدى. تختلف مدة التعافي من شخص لآخر، لكن معظم المرضى يمكنهم العودة إلى أنشطتهم اليومية خلال فترة قصيرة، مع الالتزام بإرشادات الطبيب والمتابعة المنتظمة.
أخيراً، يُعدّ تضيق الشريان تحت الترقوة من الاضطرابات الوعائية التي قد تتطور تدريجياً وتؤثر على التروية الدموية للطرف العلوي أو الدماغ عند إهمالها، لذلك يساهم التشخيص المبكر والمتابعة المنتظمة في تقليل المخاطر واتخاذ القرار العلاجي المناسب في الوقت المناسب. تُعد القسطرة خياراً علاجياً فعالاً وأقل بضعاً في معظم الحالات الملائمة، بينما تبقى الجراحة حلاً للحالات الأكثر تعقيداً، ويعتمد تحقيق أفضل النتائج على اختيار الأسلوب العلاجي الأنسب لكل مريض مع الاستمرار في ضبط عوامل الخطر والالتزام بالمتابعة الطبية طويلة الأمد.
المصادر:
- American College of Cardiology. (2018). Subclavian artery disease. CardioSmart.
- Caesar-Peterson, S. & Bishop, M. A. (2025). Subclavian artery stenosis. In StatPearls . Treasure Island (FL): StatPearls Publishing.
