يُعد مرض السكري من الأمراض المزمنة واسعة الانتشار وتتعدد أنواعه بتعدد أسبابه وآلياته المرضية. يحدث بشكل عام نتيجة ارتفاع مستوى الغلوكوز في الدم (فرط سكر الدم) مما يؤدي إلى ظهور مجموعة من الأعراض والمضاعفات الصحية التي قد يكون بعضها خطير ومهدد للحياة عند إهماله أو سوء ضبطه.
ما هو مرض السكري؟
مرض السكري هو اضطراب استقلابي مزمن يتميز بارتفاع مستويات سكر الدم (الغلوكوز) عن الحدود الطبيعية. ويُعد الغلوكوز المصدر الأساسي للطاقة في الجسم حيث يُستمد من الكربوهيدرات الموجودة في الغذاء وينتقل عبر مجرى الدم إلى خلايا الجسم لاستخدامه في إنتاج الطاقة.
تعتمد عملية دخول الغلوكوز إلى الخلايا على هرمون الأنسولين الذي يُفرَز من خلايا بيتا في البنكرياس ويعمل كمنظِّم رئيسي لاستقلاب الغلوكوز. في حال نقص إفراز الأنسولين أو ضعف استجابة الخلايا له (مقاومة الأنسولين)، يتراكم الغلوكوز في الدم مما يؤدي إلى فرط سكر الدم وحرمان الخلايا من الطاقة.
ومن الضروري التمييز بين داء السكري وداء السكري الكاذب، اللذان يشتركان في بعض الأعراض مثل العطش الشديد وكثرة التبول، لكن السكري الكاذب لا يرتبط باضطراب سكر الدم أو الأنسولين ويختلف تماماً من حيث السبب والآلية المرضية.

الآلية المرضية لحدوث مضاعفات السكري
يؤدي الارتفاع المزمن في مستويات الغلوكوز في الدم إلى إحداث أذيات تدريجية في الأوعية الدموية والأعصاب عبر عدة آليات، أبرزها:
- زيادة الإجهاد التأكسدي
- تفعيل مسار السوربيتول داخل الخلايا
- اضطراب وظيفة بطانة الأوعية الدموية
وتُقسم مضاعفات السكري إلى:
- مضاعفات وعائية دقيقة: مثل اعتلال الشبكية السكري واعتلال الكلية السكري واعتلال الأعصاب.
- مضاعفات وعائية كبيرة: مثل أمراض القلب التاجية والسكتة الدماغية ومرض الشرايين المحيطية.
وقد ثبت علمياً أن الحفاظ على مستوى HbA1c أقل من 7% يقلل خطر المضاعفات الوعائية الدقيقة بنسبة تصل إلى 35–40%.
أنواع مرض السكري
هناك العديد من الأنواع لمرض السكري، وتتضمن:
سكري النوع الأول
مرض مناعي ذاتي يحدث نتيجة تدمير خلايا بيتا المنتجة للأنسولين في البنكرياس مما يؤدي إلى عوز مطلق في الأنسولين. يظهر غالباً في الطفولة أو سن الشباب ويتطلب العلاج بالأنسولين مدى الحياة.
سكري النوع الثاني
يشكل نحو 90–95% من حالات السكري وينجم عن مقاومة الأنسولين مع نقص نسبي في إفرازه. يتطور بشكل تدريجي وغالباً ما يرتبط بالسمنة وقلة النشاط البدني ويمكن الوقاية منه أو تأخير ظهوره عبر تعديل نمط الحياة.
ما قبل السكري
مرحلة وسطية تسبق سكري النوع الثاني، تتميز بارتفاع غير طبيعي في سكر الدم دون بلوغ عتبة التشخيص. تُعد مرحلة حرجة للتدخل الوقائي.
سكري الحمل
يحدث أثناء الحمل نتيجة التغيرات الهرمونية التي تزيد مقاومة الأنسولين ويرتبط بزيادة خطر المضاعفات للأم والجنين كما يرفع احتمال الإصابة بسكري النوع الثاني مستقبلاً.
أنواع أخرى أقل شيوعاً
- داء السكري من النوع 3ج (المرتبط بأمراض البنكرياس)
- داء السكري أحادي الجين (MODY)
- داء السكري عند حديثي الولادة (الدائم أو العابر)
- داء السكري المناعي الذاتي الكامن لدى البالغين (LADA)
- السكري الهش
أعراض مرض السكري
الأعراض العامة لمرض السكري تتضمن:
- الإرهاق
- كثرة التبول
- العطش الشديد وجفاف الفم
- فقدان الوزن غير المفسر
- تشوش الرؤية
- بطء التئام الجروح
- التهابات جلدية أو فطرية متكررة
الفرق بين أعراض ارتفاع وانخفاض السكر
- ارتفاع السكر: عطش شديد وكثرة التبول وتعب وصداع وتشوش الرؤية.
- انخفاض السكر: تعرق ورجفان وخفقان القلب وجوع شديد ودوار وتشوش ذهني وقد يصل إلى فقدان الوعي.
مضاعفات مرض السكري
قد تترافق الإصابة بمرض السكري بحصول بعض المضاعفات، مثل:
- اعتلال الأعصاب السكري
- اعتلال الشبكية والعمى
- أمراض القلب والأوعية الدموية
- اعتلال الكلية السكري
- الاكتئاب
- ضعف السمع
- زيادة خطر الإصابة بالخرف ومرض ألزهايمر
تشخيص مرض السكري وفحوصاته
يُشخِّص مُقدمو الرعاية الصحية داء السكري عن طريق قياس مستوى الغلوكوز في الدم٬ حيث يُمكن قياسه عن طريق اختبارات أساسية وهي:
- اختبار سكر الدم الصائم: يجرى لمعرفة مستوى السكر الأساسي في الدم ويجب الامتناع عن الطعام والشراب باستثناء الماء لمدة ثماني ساعات على الأقل قبل الاختبار.
- اختبار سكر الدم العشوائي: يُمكن إجراءه في أي وقت، بغض النظر عما إذا كان الشخص صائماً أم لا.
- اختبار الخضاب السكري (HbA1C): هو فحص الدم الذي يظهر متوسط مستويات غلوكوز الدم خلال الأشهر الثلاثة الماضية. يمكن تناول الطعام والشراب قبل إجراء هذا الاختبار، ولكن يجب أخذ بعض الحالات بعين الاعتبار مثل الثلث الثاني أو الثالث من الحمل وكذلك أنواع معينة من فقر الدم أو مشكلة أخرى في الدم فقد لا يكون اختبار A1C دقيقاً حينها. تعطى نتيجة اختبار A1C كنسبة مئوية، مثل A1C بنسبة 7%، حيث كلما زادت النسبة المئوية ارتفع متوسط مستويات السكر في الدم.
- اختبار تحمل الغلوكوز الفموي (OGTT): يساعد على تشخيص سكري النوع الثاني ومقدمات السكري وتشخيص سكري الحمل. يتم قبل إجراءه الصيام لمدة 8 ساعات على الأقل. يتم أخذعينة دم لقياس مستوى الغلوكوز بعد الصيام. بعد ذلك يتناول الشخص سائلاً غنياً بالسكر ثم تُؤخذ عينة أخرى بعد ساعتين للتحقق من مستوى سكر الدم. إذا كان مستوى سكر الدم مرتفعاً يتم تشخيص داء السكري. أما عند الحامل فيتم سحب عينة دم كل ساعة لمدة ساعتين إلى ثلاث ساعات، إذا كانت مستويات سكر الدم مرتفعة مرتين أو أكثر خلال الاختبار فقد تكون الحامل مصابة بسكري الحمل.
| التشخيص | A1C | غلوكوز البلازما الصيامي | اختبار تحمل الغلوكوز الفموي | اختبار غلوكوز البلازما العشوائي |
| طبيعي | أقل من 5.7% | 99 مغ/ديسيلتر أو أقل | 139 مغ/ديسيلتر أو أقل | غير متاح |
| ما قبل السكري | 5.7% إلى 6.4% | 100 إلى 125 مغ/ديسيلتر | 140 إلى 199 مغ/ديسيلتر | غير متاح |
| سكري | 6.5% أو أكثر | 126 مغ/ديسيلتر أو أكثر | 200 مغ/ديسيلتر أو أكثر | 200 مغ/ديسيلتر أو أكثر |
علاج مرض السكري
يعتمد العلاج على نوع السكري وحالة المريض، ويشمل:
تعديل نمط الحياة
- نظام غذائي صحي متوازن
- ممارسة النشاط البدني المنتظم
- خفض الوزن عند زيادة الوزن أو السمنة
الأنسولين
يُستخدم في سكري النوع الأول وبعض حالات النوع الثاني ويتوفر بأنواع مختلفة حسب سرعة ومدة التأثير. كما تُستخدم مضخات الأنسولين وأنظمة البنكرياس الاصطناعي المغلق التي تضبط ضخ الأنسولين تلقائياً بناءً على قراءات سكر الدم المستمرة.

أدوية السكري الحديثة
- الميتفورمين: الخيار الأول في سكري النوع الثاني.
- نواهض مستقبل GLP-1: تُحسن ضبط السكر وتساعد على إنقاص الوزن وتُقلل خطر أمراض القلب.
- مثبطات SGLT2: تُخفض سكر الدم عبر الكلية وتُظهر فوائد مثبتة في حماية القلب والكلى وتقليل فشل القلب.
العلاج السكري بالخلايا الجذعية
أظهرت الدراسات الحديثة نتائج واعدة في علاج سكري النوع الأول، أبرزها العلاج التجريبي VX-880 الذي يعتمد على زرع خلايا جزر بنكرياسية مشتقة من الخلايا الجذعية. وقد أظهرت التجارب السريرية المبكرة استعادة جزئية لوظيفة البنكرياس وتحسن ملحوظ في ضبط سكر الدم مع الحاجة لمزيد من الدراسات طويلة الأمد لتأكيد الأمان والفعالية.
الوقاية من مرض السكري
لا يمكن الوقاية من الأنواع الوراثية أو المناعية الذاتية، إلا أن تقليل خطر الإصابة بسكري النوع الثاني وسكري الحمل ممكن عبر:
- اتباع نظام غذائي صحي
- ممارسة الرياضة بانتظام
- الحفاظ على وزن صحي
- الإقلاع عن التدخين
- ضبط التوتر والنوم الكافي
- المتابعة الطبية الدورية
يُعدّ مرض السكري حالة مزمنة تتطلب إدارة دقيقة طويلة الأمد. ويسهم التشخيص المبكر وضبط سكر الدم والالتزام بالعلاج وتعديل نمط الحياة في تقليل المضاعفات وتحسين جودة الحياة. كما أن التطورات الحديثة في العلاج الدوائي والتقنيات الذكية والخلايا الجذعية تفتح آفاقاً واعدة لمستقبل أكثر أماناً لمرضى السكري.
المصادر:
