يُعد الكيس المائي في الكبد أحد أشكال الإصابة الطفيلية المزمنة الناتجة عن عدوى الدودة الشريطية المعروفة باسم المشوكة الحبيبية ويُعرف المرض سريرياً باسم داء المشوكات أو داء المشوكات الكيسي. يتميز المرض بتشكل كيسة أو عدة كيسات مملوءة بسائل داخل نسيج الكبد غالباً وقد تصيب الرئتين أو أعضاء أخرى. يتميّز هذا المرض بنمو بطيء قد يمتد لسنوات قبل ظهور الأعراض ما يجعله من الأمراض التي قد تُكتشف صدفة أثناء الفحوص التصويرية.
ما هو الكيس المائي في الكبد؟
الكيس المائي (Hydatid cyst) هو آفة كيسية تنشأ نتيجة تطور الطور اليرقي لطفيلي المشوكة الحبيبية داخل جسم الإنسان. بعد ابتلاع البيوض تتحرر اليرقات في الأمعاء وتخترق الجدار المعوي لتصل عبر الدوران البابي إلى الكبد حيث تستقر وتشكل الكيسة.
يُعتبر الكبد هو العضو الأكثر إصابة بنسبة تقارب 60–70% تليه الرئتان بنسبة 20–30%. أما الإصابات في الطحال والكلى والدماغ والعظام والعضلات فهي أقل شيوعاً. المرض أكثر انتشاراً في المناطق الرعاية التي يشيع فيها الاحتكاك بين الكلاب والأغنام ويُعد الإنسان مضيف متوسط.

خطورة الكيس المائي في الكبد
تكمن خطورة الكيس المائي في الكبد بشكل أساسي في احتمال تمزق الكيسة أو تسرب محتواها، سواء بشكل عفوي نتيجة ازدياد الضغط داخلها أو بعد رض بطني أو أثناء التدخل الجراحي، عند حدوث تسرب بسيط لمحتويات الكيس إلى التجويف البطني قد يظهر تفاعل تحسسي يتظاهر باحمرار الجلد والشرى والحكة. أما في حال التمزق الواسع أو الانفجار المفاجئ فقد يحدث تفاعل تحسسي شديد يتمثل بصدمة تأقية (تحسسية) تتظاهر بهبوط حاد في ضغط الدم واضطراب في الوعي، وهي حالة إسعافية قد تهدد حياة المريض إذا لم تُعالج بشكل فوري.
يؤدي انسكاب سائل الكيس المائي في الكبد الحاوي على الكيسات البنات والعناصر الطفيلية إلى ما يعرف بالانبثاث الثانوي، حيث تنزرع هذه العناصر في أماكن أخرى داخل التجويف البطني أو على الصفاق مما يسبب تشكل أكياس مائية جديدة متعددة ويزيد من تعقيد الحالة العلاجية واحتمال النكس مستقبلاً. لذلك يُعد التدبير الدقيق ومنع انسكاب محتويات الكيسة أثناء العلاج حجر الأساس في تقليل الاختلاطات وتحسين الإنذار.
أسباب الإصابة بالكيس المائي في الكبد وعوامل الخطورة
تحدث الإصابة بداء المشوكات عند ابتلاع بيوض الطفيلي الموجودة في براز الكلاب المصابة وتزداد الخطورة في البيئات الريفية والرعوية. أهم الأسباب والعوامل:
- تناول خضار أو فواكه أو شرب ماء ملوث ببيوض الطفيلي (بسبب تلوث التربة أو المياه ببراز الكلاب)
- ملامسة الكلاب المصابة أو التربة الملوثة ثم وضع اليد في الفم دون غسلها ويُلاحظ ذلك أكثر عند الأطفال
- تربية الكلاب دون برنامج دوري لإزالة الديدان (علاج دوري مضاد للديدان يقلل انتقال العدوى)
- إطعام الكلاب أحشاء مواشي غير مفحوصة (خصوصاً الكبد والرئة) أو الذبح المنزلي وترك الأحشاء متاحة للكلاب
- ضعف الرقابة الصحية والبيطرية في المناطق الريفية (مثل سوء إدارة المسالخ أو استخدام مياه ملوثة للري)
المرض لا ينتقل بين البشر بالتلامس وانتقاله مرتبط بتلوث الطعام أو الماء أو اليدين ببيوض الطفيلي.
الأعراض السريرية للكيس المائي في الكبد
تختلف أعراض الكيس المائي في الكبد حسب حجم الكيسة وموقعها داخل الكبد ووجود اختلاطات مرافقة. يتميز المرض بأن الأعراض قد تتأخر لسنوات بسبب بطء نمو الكيسة.
في المراحل المبكرة (الكيسات الصغيرة)
- غالباً لا توجد أعراض
- قد يتم اكتشاف الكيس صدفة أثناء التصوير الشعاعي لأسباب أخرى
- في بعض الحالات قد يشعر المريض بانزعاج خفيف وغير نوعي في أعلى البطن
يعود غياب الأعراض إلى النمو البطيء للكيسة وعدم إحداث ضغط على البنى المجاورة.
عند ازدياد حجم الكيس المائي في الكبد
عندما يزداد قطر الكيسة (عادةً فوق 5–7 سم)، تبدأ الأعراض بالظهور نتيجة تأثير الكتلة:
- ألم أو ثقل في الربع العلوي الأيمن من البطن (أكثر الأعراض شيوعاً)
- إحساس بالامتلاء أو وجود كتلة بطنية
- غثيان أو اضطرابات هضمية غير نوعية
- تضخم كبدي يمكن جسّه في بعض الحالات
عند حدوث اختلاطات الكيس المائي في الكبد
تتضمن اختلاطات الكيس المائي في الكبد:
- انضغاط الطرق الصفراوية: يرقان انسدادي (اصفرار الجلد والصلبة) وبول داكن وبراز فاتح اللون وحكة جلدية صفراوية ومغص صفراوي
- انفتاح الكيسة على الطرق الصفراوية: ألم حاد مفاجئ وارتفاع الحرارة في حال حدوث التهاب صفراوي وطرح أغشية كيسية عبر الطرق الصفراوية (نادر)
- تأثيرات وعائية (نادر): ارتفاع ضغط وريد الباب نتيجة ضغط ميكانيكي على الوريد ووذمات أو استسقاء بطني في الحالات المتقدمة جداً
- إصابة الرئة: سعال مزمن وضيق نفس وألم صدري ونفث دموي
- في الدماغ: صداع وأعراض عصبية بؤرية واختلاجات حسب موقع الإصابة
تشخيص الكيس المائي في الكبد
يعتمد تشخيص الكيس المائي الكبدي على الدمج بين الفحوص المخبرية والوسائل التصويرية مع إعطاء الدور الأساسي للتصوير الشعاعي في تأكيد التشخيص وتحديد خطة العلاج.
الفحوص المخبرية للكيس المائي في الكبد
- قد يُلاحظ ارتفاع في عدد الحمضات لكنه غير نوعي ولا يكفي للتشخيص
- عند وجود انضغاط أو انفتاح على الطرق الصفراوية قد يظهر:
- ارتفاع البيليروبين
- ارتفاع الفوسفاتاز القلوية (ALP)
- يُعد اختبار ELISA من أهم الاختبارات المصلية وتصل حساسيته إلى نحو 90% في إصابات الكبد، بينما تكون أقل في إصابات الرئة أو الأعضاء الأخرى
لم يعد اختبار كاسوني مستخدم حالياً بسبب انخفاض دقته وخطر إحداث تفاعل تحسسي موضعي أو عام.
الفحوص التصويرية للكيس المائي في الكبد
تُعد الوسائل التصويرية حجر الأساس في التشخيص وتقييم المرحلة.
- التصوير بالأمواج فوق ا لصوتية:
- يُظهر الكيسات البنات والرمل العداري والأغشية المنفصلة ويُستخدم في تصنيف الكيسات وفق نظام منظمة الصحة العالمية (WHO) وهو مناسب للمتابعة الدورية بعد العلاج
- التصوير المقطعي المحوسب:
- دقة تشخيصية عالية تصل إلى 95–98% حيث يحدد عدد الكيسات وحجمها وموقعها بدقة ويقيم ارتباطات الكيسة بالأوعية الدموية والطرق الصفراوية ويميزها عن الخراجات القيحية والأكياس الكبدية الأخرى
- التصوير بالرنين المغناطيسي:
- مفيد عند الشك بوجود اتصال صفراوي ويساعد في تقييم محتوى الكيسة والعلاقة مع البنى الوعائية والصفراوية بدقة أكبر في بعض الحالات
- تصوير الطرق الصفراوية بالطريق الراجع (ERCP):
- يُستخدم عند الاشتباه بانفتاح الكيسة على الشجرة الصفراوية ويسمح بالتشخيص المباشر وإزالة الأغشية أو وضع دعامة صفراوية عند الحاجة. لا يُستخدم كوسيلة تشخيص روتينية لجميع الحالات

علاج الكيس المائي في الكبد
يعتمد اختيار الخطة العلاجية على حجم الكيسة وعددها وموقعها داخل الكبد ومرحلتها وفق تصنيف منظمة الصحة العالمية ووجود مضاعفات صفراوية أو خطر تمزق. ولا توجد مقاربة علاجية واحدة تناسب جميع الحالات.
العلاج الدوائي للكيس المائي في الكبد
يعد دواء الألبيندازول هو حجر الأساس في العلاج المحافظ، يهدف العلاج الدوائي إلى تثبيط الطفيلي وتقليل خطر النكس أو الانتشار الثانوي. يُستخدم في الحالات التالية:
- الكيسات الصغيرة (عادة أقل من 5 سم) وذات النشاط المبكر
- كعلاج مساعد قبل وبعد الجراحة أو تقنية PAIR
- المرضى غير القابلين للتدخل الجراحي
- الحالات المتعددة أو المنتشرة
تقنية PAIR لعلاج الكيس المائي في الكبد
تُعد خيار علاجي تدخلي قليل البضع وتُجرى تحت توجيه التصوير بالأمواج فوق الصوتية أو التصوير المقطعي. تُناسب الكيسات البسيطة غير المتصلة بالطرق الصفراوية والكيسات غير المتكلسة بجدار سميك والمصنفة ضمن المراحل النشطة (CE1–CE3a). خطوات الإجراء:
- ثقب الكيسة بإبرة موجهة شعاعيا
- شفط السائل الكيسي
- حقن مادة قاتلة للطفيليات (مثل المحاليل مفرطة التوتر)
- إعادة الشفط بعد فترة زمنية محددة
يتم إعطاء الألبيندازول بالتزامن مع الإجراء لتقليل خطر الانتشار.
العلاج الجراحيء للكيس المائي في الكبد
يُعد الخيار العلاجي الأمثل في الحالات المعقدة أو عالية الخطورة. الاستطبابات الجراحية تشمل:
- كيسة كبيرة (عادة أكبر من 10 سم)
- كيسة سطحية مهددة بالتمزق
- كيسة متعددة الكيسات البنات
- انفتاح على الشجرة الصفراوية
- ضغط على أوعية دموية أو بنى حيوية
- فشل العلاج الدوائي أو PAIR
تتمضن المبادئ الأساسية لجراحة الكيس المائي في الكبد:
- إعطاء الألبيندازول قبل العمل الجراحي وبعده
- عزل الحقل الجراحي بمحاليل قاتلة للطفيليات لتجنب الانسكاب
- استئصال الكيسة دون تمزقها أو تسريب محتواها
- معالجة أي اتصال صفراوي أثناء الجراحة
يمكن إجراء الجراحة بالطريقة المفتوحة أو بالمنظار في المراكز المتقدمة ذات الخبرة.

المتابعة بعد علاج الكيس المائي في الكبد
نظراً لإمكانية النكس بعد علاج الكيس المائي في الكبد بشكل خاص خلال السنوات الأولى، يُوصى بـ:
- إجراء تصوير بالأمواج فوق الصوتية أو التصوير المقطعي بشكل دوري
- متابعة لمدة تتراوح بين 3–5 سنوات
- الاستعانة بالفحوص المصلية في بعض الحالات لمراقبة النشاط المرضي
العلاج الكيس المائي في الكبد بالأعشاب
حتى الآن لا توجد دراسات سريرية موثوقة تثبت فعالية العلاجات العشبية في علاج داء المشوكات. البروتوكولات العلاجية المعتمدة علمياً تقتصر على الطرق السابق ذكرها ولا يُنصح بالاعتماد على الطب البديل كخيار علاجي وحيد، نظراً لاحتمال تطور مضاعفات خطيرة في حال تأخير العلاج المناسب.
الوقاية من داء المشوكات
تعتمد الوقاية من الكيس المائي في الكبد على كسر الحلقة الوبائية بين الكلاب والمواشي ومنع وصول بيوض الطفيلي إلى الإنسان، وذلك من خلال الإجراءات التالية:
- غسل الخضار والفواكه جيداً بالماء النظيف قبل تناولها، وخاصة في المناطق الريفية
- غسل اليدين بانتظام بعد ملامسة الكلاب أو العمل في التربة وقبل تناول الطعام
- منع إطعام الكلاب الأحشاء النيئة بعد الذبح
- إخضاع الكلاب لبرنامج دوري لإزالة الديدان باستخدام أدوية مناسبة بإشراف بيطري
- الذبح في مسالخ نظامية خاضعة للرقابة البيطرية والتخلص الآمن من الأحشاء المصابة
- تحسين أنظمة الصرف الصحي ومنع استخدام المياه الملوثة في الري الزراعي
- تعزيز التوعية الصحية في المناطق الموبوءة حول طرق انتقال المرض وسبل الوقاية
يُعد الكيس المائي في الكبد أحد أشكال داء المشوكات الطفيلي وهو مرض بطيء التطور قد يبقى دون أعراض لسنوات قبل أن يُسبب مضاعفات خطيرة مثل الانسداد الصفراوي أو الصدمة التأقية عند التمزق. يعتمد التشخيص أساساً على وسائل التصوير الشعاعي بينما يُحدد العلاج وفق حجم الكيسة ومرحلتها ويتراوح بين العلاج الدوائي والتداخل الشعاعي والجراحة. يُعد التدبير المبكر والمتابعة المنتظمة عاملين حاسمين في تقليل النكس وتحسين الإنذار. وتبقى الوقاية وكسر الحلقة بين الكلاب والمواشي الركيزة الأساسية للحد من انتشار المرض على مستوى المجتمع.
المصادر:
- Ramos, R. D., Figueiredo, S., Sarkis, P. C., & Santos, R. L. (2018). Hepatic hydatid disease: A case report and review of literature. Journal of Clinical and Translational Hepatology, 6(2), 241–244.
- British Liver Trust. (n.d.). Hydatid cysts. British Liver Trust. Retrieved February 18, 2026
- Radiopaedia. (n.d.). Hepatic hydatid infection. Radiopaedia.org. Retrieved February 18, 2026
- Ali, S. Z., & Ali, I. H. (n.d.). Echinococcal (hydatid) cyst of liver. In PathologyOutlines.com. Retrieved February 18, 2026, from
