يُعدّ التهاب الأعصاب من الاضطرابات العصبية الشائعة التي تصيب الجهاز العصبي المحيطي، وقد يؤثر على ملايين الأشخاص حول العالم. تشير الإحصائيات إلى أن الاعتلالات العصبية المحيطية تصيب ما يقارب 2–3% من عامة السكان، وترتفع النسبة إلى أكثر من 8% لدى من تجاوزوا سن الخامسة والخمسين. يحدث التهاب الأعصاب نتيجة تلف أو تهيّج الألياف العصبية، ما يؤدي إلى أعراض مزعجة قد تكون مزمنة. ويختلف نمط الإصابة وشدتها تبعاً للسبب المؤدي إليها ومكان العصب المصاب.
ما هو التهاب الأعصاب؟
إن التهاب الأعصاب هو حالة مرضية تصيب الأعصاب نتيجة تهيّجها أو تلفها، ما يؤدي إلى اضطراب في وظيفتها الطبيعية في نقل الإشارات العصبية بين الدماغ وبقية أجزاء الجسم، وقد يؤثر الالتهاب على عصب واحد أو على عدة أعصاب في الوقت نفسه، وغالباً ما يصيب الأعصاب الطرفية المسؤولة عن الإحساس والحركة.
يحدث التهاب الأعصاب عندما تتعرّض الألياف العصبية لضرر مباشر أو غير مباشر، سواء بسبب التهاب، أو نقص تغذية العصب، أو ضغطٍ مستمر، أو اضطرابٍ استقلابي، ونتيجة ذلك، تظهر أعراض مثل الألم العصبي، أو التنميل، أو الوخز، أو ضعف العضلات، وتختلف شدّة هذه الأعراض حسب نوع العصب المصاب ومدى الالتهاب.
ولا يُعدّ التهاب الأعصاب مرضاً واحداً بحد ذاته، بل هو توصيف لحالة عصبية قد تكون ناتجة عن أسباب متعددة، ما يجعل التشخيص الدقيق للسبب الأساسي خطوةً محوريةً في اختيار العلاج المناسب وتحسين فرص التعافي.
كيف يحدث التهاب الأعصاب؟
يحدث التهاب الأعصاب عندما تتعرّض الألياف العصبية لضرر يؤدي إلى اضطراب في بنيتها أو في قدرتها على نقل الإشارات الكهربائية بشكل طبيعي. يبدأ ذلك غالباً نتيجة عملية التهابية تصيب غلاف العصب أو محوره الداخلي، ما يسبب خللاً في التواصل بين الدماغ أو النخاع الشوكي وبقية أجزاء الجسم. ومع استمرار الالتهاب، تصبح الإشارات العصبية غير منتظمة أو مؤلمة، فتظهر أعراض مثل الوخز أو الألم أو الضعف العضلي.
وتتعدد الآليات المؤدية إلى هذا الالتهاب، فقد يكون ناجماً عن اضطرابات مناعية تهاجم الأعصاب بالخطأ، أو عن نقص التروية الدموية للعصب، أو عن تأثيرات استقلابية تؤدي إلى تلف تدريجي في الألياف العصبية. كما أن الضغط المزمن على العصب أو نقص العناصر الغذائية الضرورية لوظيفته يسهم في تسارع التلف العصبي، ما يفسر اختلاف شدة الأعراض وسرعة تطورها من حالة إلى أخرى.
أسباب التهاب الأعصاب
تتعدد أسباب التهاب الأعصاب وتختلف باختلاف آلية الإصابة ونوع العصب المتأثر، وقد يكون السبب موضعياً أو عاماً يصيب عدة أعصاب في الوقت نفسه. ويُعدّ فهم السبب الأساسي خطوة محورية في اختيار العلاج المناسب ومنع تطوّر الأعراض. وتشمل أسباب التهاب الأعصاب ما يلي:
- الاضطرابات الاستقلابية مثل داء السكري، حيث يؤدي ارتفاع السكر المزمن إلى تلف الألياف العصبية.
- نقص الفيتامينات وخاصة فيتامين B12، لما له من دور أساسي في سلامة الأعصاب ووظيفتها.
- الأمراض المناعية التي يهاجم فيها الجهاز المناعي الأعصاب أو غلافها الواقي.
- العدوى الفيروسية أو البكتيرية التي قد تُحدث التهاباً مباشراً في العصب.
- الضغط أو الإصابة المباشرة على العصب نتيجة انزلاق غضروفي أو رضوض.
- التعرّض للسموم أو بعض الأدوية التي تؤثر سلباً في النسيج العصبي.

أعراض التهاب الأعصاب
تختلف أعراض التهاب الأعصاب باختلاف نوع العصب المصاب ودرجة الالتهاب، وقد تظهر بشكل تدريجي أو مفاجئ، وتزداد شدتها مع تطوّر التلف العصبي. وغالباً ما تؤثر الأعراض في الإحساس أو الحركة أو كليهما معاً. وتشمل أعراض التهاب الأعصاب ما يلي:
- أعراض حسية مثل الألم العصبي الحارق، التنميل، الوخز، أو الشعور بالبرودة أو الكهرباء.
- أعراض حركية تشمل ضعف العضلات، صعوبة تحريك الطرف المصاب، أو فقدان التناسق العضلي.
- أعراض لاإرادية كاضطراب التعرّق، تغيّرات في ضغط الدم، أو مشكلات هضمية في بعض الحالات.
- ازدياد الأعراض ليلاً أو عند الراحة، وهو نمط شائع في كثير من حالات التهاب الأعصاب الطرفية.
أنواع التهاب الأعصاب
تُصنَّف أنواع التهاب الأعصاب بحسب عدد الأعصاب المصابة ومكانها في الجهاز العصبي، ويُسهم هذا التصنيف في فهم الأعراض المتوقعة وتحديد الخطة العلاجية الأنسب لكل حالة.
وتشمل أنواع التهاب الأعصاب ما يلي:
- التهاب الأعصاب الطرفية: وهو الأكثر شيوعاً، ويصيب الأعصاب المسؤولة عن الإحساس والحركة في الأطراف، وغالباً ما يظهر على شكل ألم وتنميل في اليدين أو القدمين.
- التهاب الأعصاب القحفية: يصيب الأعصاب الخارجة من الدماغ، مثل العصب الوجهي أو العصب البصري، وقد يسبب ضعفاً في عضلات الوجه أو اضطراباً في الرؤية.
- التهاب عصب واحد (Mononeuritis): يقتصر على عصب واحد نتيجة ضغط أو إصابة موضعية.
- التهاب عدة أعصاب (Polyneuritis): يصيب مجموعة من الأعصاب في آنٍ واحد، وغالباً ما يكون مرتبطاً بأمراض عامة مثل السكري أو الاضطرابات المناعية.

متى يكون التهاب الأعصاب علامة خطيرة؟
يكون التهاب الأعصاب علامةً خطيرةً عندما تظهر أعراض غير معتادة أو تتطور بسرعة، ما قد يشير إلى سبب عصبي أو جهازي خطير يحتاج إلى تقييم طبي عاجل. وتزداد الخطورة بشكل خاص عند ترافق الأعراض مع تدهور سريع في الوظيفة الحركية أو الحسية. وتشمل الحالات المقلقة ما يلي:
- ضعف عضلي مفاجئ أو متفاقم قد يعيق الحركة أو المشي
- فقدان الإحساس بشكل سريع أو غير متماثل بين جانبي الجسم
- ترافق الأعراض مع فقدان وزن، حمى، أو ألم شديد مستمر دون سبب واضح
- اضطراب وظائف الأعصاب اللاإرادية مثل صعوبة التنفس، اضطراب نظم القلب، أو انخفاض ضغط الدم
- عدم تحسّن الأعراض أو تفاقمها رغم العلاج، ما يستدعي البحث عن أمراض مناعية أو عصبية أكثر خطورة
كيف يتم تشخيص التهاب الأعصاب؟
يتم تشخيص التهاب الأعصاب من خلال تقييم طبي دقيق يهدف إلى تحديد نوع العصب المصاب والسبب الكامن وراء الالتهاب. يبدأ التشخيص بأخذ قصة مرضية مفصّلة تتضمن طبيعة الأعراض، مدتها، والعوامل التي تزيدها أو تخففها، يليها فحص سريري عصبي يقيّم الإحساس، القوة العضلية، والمنعكسات العصبية.
ويُستكمل التشخيص بفحوصات مساعدة حسب الحالة، مثل تخطيط الأعصاب والعضلات لتقييم سرعة وكفاءة نقل الإشارات العصبية، إضافة إلى التحاليل المخبرية للكشف عن اضطرابات استقلابية أو نقص في الفيتامينات. وفي بعض الحالات، يُستخدم التصوير الطبي كالرنين المغناطيسي لتحديد وجود ضغط أو إصابة بنيوية في العصب، ما يساعد على توجيه الخطة العلاجية بدقة.
طرق علاج التهاب الأعصاب
يعتمد علاج التهاب الأعصاب بشكل أساسي على تحديد السبب المؤدي إلى الالتهاب، إذ لا توجد خطة علاجية واحدة تناسب جميع الحالات. ويهدف العلاج إلى تخفيف الألم العصبي، تحسين وظيفة العصب، ومنع تطوّر التلف العصبي على المدى الطويل، مع اعتماد مزيج من العلاجات الدوائية والداعمة بحسب شدة الأعراض ونوع الإصابة.
علاج السبب الأساسي
يُعدّ التعامل مع السبب الجذري الخطوة الأهم في علاج التهاب الأعصاب، مثل ضبط مستويات السكر في الدم لدى مرضى السكري، أو تعويض نقص الفيتامينات، أو علاج العدوى المسببة للالتهاب. ويسهم هذا الإجراء في إيقاف تطور الضرر العصبي وتحسين الاستجابة لبقية العلاجات.
العلاج الدوائي للألم العصبي
تُستخدم أدوية مخصّصة لتخفيف الألم العصبي تختلف عن المسكنات التقليدية، وتهدف إلى تقليل فرط نشاط الأعصاب المصابة. وتُختار هذه الأدوية بعناية تبعاً لشدة الألم والحالة الصحية العامة للمريض.
العلاج الفيزيائي وإعادة التأهيل
يساعد العلاج الفيزيائي على تحسين قوة العضلات والحفاظ على مرونة المفاصل، كما يساهم في تقليل التيبّس وتحسين التوازن. ويُعدّ جزءاً مهماً من الخطة العلاجية خاصة في الحالات المزمنة أو المترافقة مع ضعف حركي.
العلاجات الداعمة والتداخلات المتقدمة
في بعض الحالات، قد تُستخدم وسائل داعمة مثل تعديل نمط الحياة، تحسين التغذية، أو تقنيات طبية متقدمة عند فشل العلاجات التقليدية. ويُحدد هذا الخيار بعد تقييم دقيق للحالة ودرجة الاستجابة للعلاج المحافظ.
هل يمكن الشفاء من التهاب الأعصاب؟
يمكن الشفاء من التهاب الأعصاب في عدد كبير من الحالات، خاصةً عند تشخيص السبب الأساسي وعلاجه في وقت مبكر. ففي الحالات الناتجة عن نقص الفيتامينات، الالتهابات العابرة، أو الضغط المؤقت على العصب، قد تتحسن وظيفة العصب تدريجياً ويختفي معظم الأعراض مع العلاج المناسب.
في المقابل، قد يصبح التهاب الأعصاب مزمناً عندما يكون ناتجاً عن أمراض طويلة الأمد مثل السكري أو بعض الاضطرابات المناعية، حيث يتركّز العلاج حينها على السيطرة على الأعراض ومنع تفاقم التلف العصبي. وتعتمد فرص التحسن بشكل كبير على شدة الإصابة، مدة الأعراض قبل العلاج، والالتزام بالخطة العلاجية الموصى بها.
الوقاية من التهاب الأعصاب
تُعدّ الوقاية من التهاب الأعصاب ممكنة في العديد من الحالات من خلال التحكم بالعوامل المؤهبة وتقليل التعرض لأسباب تلف الأعصاب. ويأتي في مقدمة ذلك ضبط الأمراض المزمنة مثل داء السكري، والالتزام بنمط حياة صحي يشمل التغذية المتوازنة الغنية بالفيتامينات الضرورية لوظيفة الأعصاب، خاصة فيتامينات المجموعة B.
كما تسهم الوقاية في تجنّب الضغط المتكرر على الأعصاب، والابتعاد عن السموم وبعض الأدوية التي قد تؤثر في النسيج العصبي، إضافة إلى الكشف المبكر عن أي أعراض عصبية غير طبيعية. ويساعد التشخيص والعلاج المبكران على منع تطوّر الالتهاب وتقليل خطر حدوث مضاعفات عصبية طويلة الأمد.
يُعدّ التهاب الأعصاب من الاضطرابات التي قد تؤثر بشكل مباشر في جودة الحياة عند إهمال تشخيصها أو علاجها. ويساعد التدخل المبكر وتحديد السبب الأساسي على تخفيف الأعراض ومنع تطوّر التلف العصبي. وتبرز أهمية المتابعة في مراكز متخصصة تمتلك خبرة في أمراض الجهاز العصبي وتوفّر خطط علاجية دقيقة. ويُقدّم مركز بيمارستان الطبي هذا النوع من الرعاية المتكاملة اعتماداً على التشخيص المتقدم والعلاج الموجّه لكل حالة.
المصادر:
- National Institute of Neurological Disorders and Stroke. (n.d.). Peripheral neuropathy fact sheet.
- Mauermann, M. L., & Staff, N. P. (2024). Peripheral neuropathy: A review of causes, symptoms, diagnosis, and treatment.
