يُعد سرطان اللسان من أورام الفم التي تحتاج إلى تعامل طبي دقيق، لأن اللسان عضو أساسي في الكلام والبلع والتذوق، وأي تأخر في كشف الورم قد يؤثر في جودة الحياة وفرص العلاج. تظهر أهمية هذا المرض من كونه جزءاً من سرطانات الفم والرأس والعنق، وهي سرطانات ترتبط غالباً بعوامل مثل التدخين، الكحول، التهيج المزمن، وبعض الإصابات الفيروسية، كما أن نسبة مهمة من الحالات تُكتشف في مراحل متقدمة بسبب تجاهل القرح أو الكتل الصغيرة داخل الفم.
يعتمد علاج سرطان اللسان على حجم الورم ومكانه وامتداده إلى العقد اللمفاوية أو الأنسجة المجاورة، وقد يشمل الجراحة، العلاج الإشعاعي، العلاج الكيميائي أو العلاج المناعي في بعض الحالات. كلما شُخّص المرض في مرحلة أبكر كانت فرصة السيطرة عليه أفضل، لذلك يُنصح بمراجعة الطبيب عند وجود قرحة لا تلتئم، نزف غير مفسر، ألم مستمر أو صعوبة في تحريك اللسان، إذ يساعد التقييم المبكر على اختيار الخطة العلاجية الأنسب وتقليل تأثير المرض على النطق والبلع.
ما هو سرطان اللسان؟
بدايةً يتألف اللسان من قسمين، قسم في الأمام وهو الجزء الفموي، والقسم الآخر في الحلق ويطلق عليه اللسان البلعومي (أو جذر اللسان). يصيب سرطان اللسان كلا القسمين وتختلف أعراضه وطرق تشخيصه قليلاً حسب الجزء الذي يصيبه، فعلى سبيل المثال عندما يُصاب الشخص بسرطان اللسان من القسم الأمامي، عندها يمكن أن يلاحظه بنفسه أو أن يلاحظه طبيب الفم والأسنان الخاص به، ولكن عندما يصيب الجزء الخلفي فعندها يصعب ملاحظته بسرعة، حتى أنه قد يسبب أعراضاً مثل التهاب الحلق أو الأذن، ولكن يصعب التنبؤ بأن السبب هو سرطان اللسان.

أسباب سرطان اللسان وعوامل الخطر
إن سبب سرطان اللسان الأساسي هو العامل الجيني، حيث يؤدي حدوث تغييرات في الحمض النووي للخلايا الموجودة في اللسان إلى حدوث انقسام غير منضبط للخلايا، بالإضافة إلى بقاء هذه الخلايا على قيد الحياة لوقت أطول مما ينبغي لها. هذه التغييرات في العامل الجيني قد تنتج عن عدد كبير من عوامل الخطر، وأهمها:
- التدخين: إن التدخين هو عامل الخطر الأكبر المرتبط بالإصابة بسرطان اللسان، ويتضمن ذلك تدخين السجائر والسيجار والغليون وغيرها.
- تناول الكحول: يُزيد الشرب المتكرر والمفرط للكحول خطر الإصابة بسرطان اللسان. كما وإن تعاطي الكحول والتبغ معاً يزيد احتمالية الإصابة بشكل أكبر.
- الإصابة بفيروس الورم الحليمي البشري: تُشير الدراسات الأخيرة إلى شيوع سرطان اللسان في القسم الخلفي (سرطان اللسان البلعومي) عند الأشخاص المصابين بفيروس الورم الحليمي البشري.
- ضعف الجهاز المناعي: بشكل عام، يعد ضعف الجهاز المناعي عاملاً من عوامل الخطر للإصابة بأي سرطان في الجسم.
- التقدم في العمر: تزداد خطورة الإصابة بسرطان اللسان لدى الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 45 عامًا، وذلك عادةً بسبب تعاطيهم التبغ والكحوليات على مدار سنوات.
- مشكلات في الحفاظ على نظافة الفم: يمكن أن يؤدي عدم العناية بالأسنان إلى الإصابة بسرطان اللسان، ويزداد الخطر أكثر عند الأشخاص الذين يتعاطون الكحول والتبغ.
أعراض سرطان اللسان
في البداية لا يسبب سرطان اللسان أية أعراض، ولكن مع الوقت قد يلاحظ طبيب الأسنان أو الطبيب العام وجود قرحة لا تلتئم على سطح اللسان (وهي عادةً أولى الأعراض)، وعندها قد يشك الطبيب بوجود مشكلة ورمية في اللسان ويتم تقييم وجود أعراض أخرى ومن ثم يُرسل المريض إلى طبيب الأورام للفحص المباشر لهذه القرحة، وتشمل باقي أعراض سرطان اللسان:
- صعوبة أو ألم في المضغ أو البلع أو تحريك الفكين أو اللسان
- كتلة على جانب اللسان تنزف بسهولة
- تضخم العُقَد اللمفية في الرقبة
- بقع حمراء أو بيضاء على اللسان أو بطانة الفم
- التهاب في الحلق لا يزول
- الشعور كما لو أن هناك شيئًا ما في الحلق
- خَدَر في الفم أو اللسان
- تورُّم الفك
- تغيّر في الصوت
- ألم الأذن أو الرقبة
- فقدان الوزن
- تخلخل الأسنان أو تغيرات مفاجئة في طريقة انطباق طقم الأسنان
- كما وقد توجد كذلك كتلة في الجزء الخلفي من الفم أو الحلق أو الرقبة
كيف يتم تشخيص سرطان اللسان؟
يعتمد تشخيص سرطان اللسان على الجمع بين الفحص السريري الدقيق والخزعة والتصوير الطبي، إذ لا يكفي مظهر القرحة أو الكتلة وحده لتأكيد وجود السرطان، ويهدف التشخيص إلى معرفة طبيعة الآفة أولاً، ثم تحديد حجم الورم وعمقه وامتداده إلى العقد اللمفاوية أو الأنسجة المجاورة، لأن هذه المعلومات هي التي تحدد الخطة العلاجية المناسبة.
فحص الفم واللسان والعقد اللمفاوية
يبدأ الطبيب بفحص اللسان كاملًا، بما في ذلك الحواف الجانبية وسطح اللسان وقاعدته، لأن بعض الأورام قد تكون صغيرة أو مخفية في مناطق لا يلاحظها المريض بسهولة. يبحث الطبيب عن قرحة لا تلتئم، أو كتلة قاسية، أو تغير في لون الغشاء المخاطي، أو نزف بسيط عند اللمس، أو منطقة مؤلمة ومحددة، كما ويقيّم حركة اللسان، لأن ضعف الحركة أو انحراف اللسان قد يشير إلى امتداد أعمق للورم.
بعد ذلك يتم فحص الرقبة والعقد اللمفاوية، خاصة تحت الفك وعلى جانبي الرقبة، لأن سرطان اللسان قد ينتقل مبكراً إلى العقد اللمفاوية القريبة. وجود عقدة قاسية أو ثابتة أو متضخمة لا يعني بالضرورة وجود انتشار سرطاني، لكنه يستدعي تقييماً أدق بالتصوير أو بأخذ عينة عند الحاجة.

أخذ خزعة من نسيج اللسان
الخزعة هي الخطوة الحاسمة في تشخيص سرطان اللسان، حيث يأخذ الطبيب قطعة صغيرة من النسيج المشبوه ويفحصها تحت المجهر، وتساعد الخزعة على تأكيد وجود خلايا سرطانية، وتحديد نوع الورم ودرجته، ومعرفة مدى عدوانيته، وغالباً تُجرى الخزعة تحت تخدير موضعي إذا كانت الآفة ظاهرة وسهلة الوصول، وقد تحتاج إلى تخدير أعمق إذا كان الورم في قاعدة اللسان أو في منطقة يصعب فحصها مباشرة.
لا يُنصح بتأجيل الخزعة عند وجود قرحة مستمرة لأكثر من أسبوعين أو كتلة غير مفسرة في اللسان، لأن الانتظار قد يؤدي إلى زيادة حجم الورم أو انتقاله إلى العقد اللمفاوية، كما وإن الخزعة لا تسبب انتشار السرطان كما يعتقد بعض المرضى، بل تُعد الوسيلة الأساسية والآمنة لتأكيد التشخيص قبل بدء العلاج.
التصوير الطبي لتحديد امتداد الورم
بعد تأكيد التشخيص أو عند الاشتباه القوي بالمرض، يُستخدم التصوير الطبي لتحديد مرحلة سرطان اللسان بدقة، وقد يطلب الطبيب التصوير بالرنين المغناطيسي لتقييم عمق الورم وامتداده داخل عضلات اللسان والأنسجة المجاورة، أو التصوير الطبقي المحوري لدراسة عظام الفك والرقبة والعقد اللمفاوية. في بعض الحالات المتقدمة قد يُستخدم التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني للبحث عن انتشار بعيد في الجسم.
يساعد التصوير على معرفة ما إذا كان العلاج سيعتمد على الجراحة وحدها، أو يحتاج إلى علاج إشعاعي أو كيميائي بعد العملية، كما ويوجّه الجراح في التخطيط لاستئصال الورم مع الحفاظ قدر الإمكان على وظائف اللسان مثل الكلام والبلع والتذوق، لذلك لا يقتصر التشخيص على إثبات وجود السرطان فقط، بل يشمل رسم خريطة دقيقة لانتشاره قبل وضع الخطة العلاجية.
طرق علاج سرطان اللسان
تختلف طرق علاج سرطان اللسان حسب مرحلة المرض، ومكان الورم في اللسان، وعمق امتداده داخل الأنسجة، ووجود إصابة في العقد اللمفاوية في الرقبة، ولا تُختار الخطة العلاجية بناءً على حجم الورم الظاهر فقط، بل على تقييم كامل لوظيفة اللسان، كالبلع والنطق والحالة العامة للمريض، لأن الهدف ليس استئصال الورم فحسب، بل الحفاظ قدر الإمكان على القدرة على الكلام وتناول الطعام وجودة الحياة بعد العلاج.
في المراحل المبكرة قد يكون العلاج موضعياً بالجراحة أو الإشعاع فقط، بينما تحتاج الحالات المتقدمة غالبًا إلى خطة مشتركة تجمع بين الجراحة والعلاج الإشعاعي والكيميائي، أما في الحالات المنتشرة أو الناكسة فقد يدخل العلاج المناعي أو العلاج الموجه ضمن الخيارات، خاصة عندما لا يكون الاستئصال الجراحي كافيًا أو ممكناً.
جراحة سرطان اللسان
تُعد الجراحة من أهم خيارات علاج سرطان اللسان، خاصة عندما يكون الورم قابلًا للاستئصال، وتعتمد العملية على إزالة الورم مع هامش آمن من الأنسجة السليمة المحيطة به للتقليل من احتمال عودة السرطان، وفي الأورام الصغيرة قد يكتفي الجراح باستئصال جزئي محدود من اللسان، أما في الأورام الأكبر فقد يحتاج إلى استئصال جزء أوسع من اللسان، وأحياناً إعادة بناء المنطقة باستخدام رقعة نسيجية من مكان آخر في الجسم للمساعدة على استعادة الشكل والوظيفة.
قد تشمل الجراحة أيضًا استئصال بعض العقد اللمفاوية في الرقبة إذا كان هناك اشتباه بانتقال السرطان إليها أو إذا كان الورم عميقاً ويحمل خطر انتشار أعلى، وبعد العملية يتم تحليل العينة مخبرياً لمعرفة عمق الورم، وحالة الهوامش الجراحية، ووجود انتشار لمفاوي أو غزو للأعصاب والأوعية، وبناءً على هذه النتائج يقرر الفريق الطبي هل يحتاج المريض إلى علاج إشعاعي أو كيميائي متمم بعد الجراحة.
العلاج الإشعاعي
يستخدم العلاج الإشعاعي حزمًا دقيقة من الأشعة لتدمير الخلايا السرطانية أو تقليل احتمال عودتها بعد الجراحة، وقد يُستخدم كعلاج أساسي في بعض الحالات التي لا تناسبها الجراحة، لكنه يُستخدم غالباً بعد العملية إذا كان الورم متقدماً، أو إذا كانت الهوامش الجراحية قريبة، أو وُجد انتشار في العقد اللمفاوية، ويهدف الإشعاع هنا إلى التعامل مع الخلايا المجهرية التي قد لا تكون مرئية أثناء الجراحة.
يحتاج العلاج الإشعاعي إلى تخطيط دقيق لحماية الأنسجة السليمة قدر الإمكان، مثل الغدد اللعابية، والفك، والبلعوم، حيث أنه قد يسبب بعض الأعراض الجانبية مثل جفاف الفم، أو التهاب الغشاء المخاطي، أو صعوبة في البلع، أو تغيرات في التذوق، أو تهيج الجلد في منطقة الرقبة، لذلك يحتاج المريض إلى متابعة غذائية وعناية فموية منتظمة خلال فترة العلاج وبعدها.
العلاج الكيميائي
لا يكون العلاج الكيميائي عادةً الخيار الوحيد في سرطان اللسان، لكنه يُستخدم مع العلاج الإشعاعي في بعض الحالات المتقدمة لزيادة فعالية الأشعة على الخلايا السرطانية، يُعرف ذلك بالعلاج الكيميائي المتزامن مع الإشعاع، ويُستخدم خصوصاً عند وجود عوامل خطورة عالية بعد الجراحة، مثل انتشار السرطان خارج العقدة اللمفاوية أو بقاء خلايا سرطانية قريبة من حواف الاستئصال.
قد يُستخدم العلاج الكيميائي أيضاً في الحالات التي يكون فيها السرطان منتشراً أو عائداً بعد العلاج، خاصة عندما لا يمكن إجراء جراحة جديدة، وتختلف الأدوية والجرعات حسب حالة المريض وقدرته على تحمل العلاج، لأن العلاج الكيميائي قد يسبب تعباً، أو غثياناً، أو انخفاضاً في المناعة، أو تقرحات فموية، أو تأثيراً على الكلى والسمع في بعض الأنواع الدوائية، لذلك لا يُعطى إلا بعد تقييم دقيق.
العلاج المناعي والعلاج الموجه
أصبح العلاج المناعي خياراً مهماً في بعض حالات سرطان اللسان المتقدم أو الناكس، خصوصاً عندما ينتشر المرض أو لا يعود قابلاً للعلاج بالجراحة أو الإشعاع وحدهما، ويعمل العلاج المناعي على تنشيط جهاز المناعة ليتعرف على الخلايا السرطانية ويهاجمها، ولا يُستخدم لجميع المرضى بشكل عشوائي، بل بعد تقييم خصائص الورم والحالة العامة للمريض ونتائج بعض الفحوص المخبرية.
أما العلاج الموجه فيعتمد على استهداف مسارات معينة تساعد الخلايا السرطانية على النمو والانقسام، وقد يُستخدم في حالات محددة من سرطانات الرأس والعنق، أحياناً مع الإشعاع أو في المرض المتقدم، ولا يُعد العلاج المناعي أو الموجه بديلاً مباشراً عن الجراحة في المراحل القابلة للاستئصال، لكنه قد يكون جزءاً من الخطة عندما يكون المرض متقدماً أو عائداً أو منتشراً خارج منطقة اللسان والرقبة.
هل يمكن الشفاء من سرطان اللسان؟
نعم، يمكن الشفاء من سرطان اللسان في كثير من الحالات، خاصةً عند اكتشافه في مرحلة مبكرة قبل امتداده إلى العقد اللمفاوية أو الأنسجة العميقة، تعتمد فرصة الشفاء على حجم الورم، ومكانه، ومرحلة المرض، واستجابة المريض للعلاج، لذلك يُعد التشخيص المبكر والبدء بخطة علاج مناسبة من أهم العوامل التي ترفع نسب النجاح وتقلل احتمال عودة المرض.
في الختام، يعتمد علاج سرطان اللسان على التشخيص الدقيق وتحديد مرحلة الورم، ثم اختيار العلاج الأنسب بين الجراحة والإشعاع والكيميائي أو العلاجات الحديثة عند الحاجة، وتزداد فرص الشفاء كلما اكتُشف المرض مبكراً، خاصة قبل امتداده إلى العقد اللمفاوية أو الأنسجة العميقة. يساعد مركز بيمارستان الطبي المرضى في الوصول إلى تقييم متخصص وخطة علاجية مناسبة، مع تنسيق الرعاية الطبية بما يراعي دقة العلاج وجودة الحياة بعده.
المصادر:
- National Cancer Institute. (2025, May 16). Lip and oral cavity cancer treatment (PDQ®)–patient version. National Cancer Institute.
- National Cancer Institute. (2025, May 14). Lip and oral cavity cancer treatment (PDQ®)–health professional version. National Cancer Institute.
