يُعد ضعف السمع من أكثر المشاكل الصحية شيوعاً حول العالم، ويمكن أن يؤثر بشكل كبير على جودة حياة المريض وقدرته على التواصل والتفاعل الاجتماعي. ورغم توفر أجهزة السمع التقليدية، إلا أنها لا تكون فعّالة في بعض الحالات، خاصةً عند وجود تشوهات في قناة الأذن أو مشاكل في الأذن الوسطى تمنع الصوت من الوصول بالشكل الصحيح إلى الأذن الداخلية.
وفي السنوات الأخيرة، ظهرت تقنيات طبية متقدمة لعلاج هذه الحالات، وكان من أبرزها زراعة العظام السمعية (BAHA)، وهي نظام حديث يعتمد على توصيل الصوت عبر عظام الجمجمة مباشرة إلى الأذن الداخلية دون الحاجة لاستخدام القناة السمعية أو العظام الطبيعية المتضررة.
تُعد تركيا اليوم من الدول الرائدة في تقديم هذا النوع من العمليات بفضل التطور الطبي، وتوفر أحدث الأنظمة السمعية، إضافةً إلى الخبرة الكبيرة لدى الأطباء المتخصصين في جراحة الأذن وجراحة الأنف والأذن والحنجرة. ومع ارتفاع نسب نجاح هذا النوع من الزرعات، أصبح خياراً شائعاً للمرضى الباحثين عن حل دائم وفعال لاستعادة السمع بطريقة طبيعية وأكثر وضوحًا.
ما هي غرسات التوصيل العظمي (BAHA)؟
غرسات التوصيل العظمي أو جهاز السمع المثبت على العظم أو زراعة العظام السمعية (Bone Anchored Hearing Aid – BAHA) هي تقنية حديثة تُستخدم لاستعادة السمع لدى الأشخاص الذين يعانون من فقدان السمع التوصيلي أو المختلط أو فقدان السمع أحادي الجانب، وخاصة لمن لا تُناسبهم أجهزة السمع التقليدية. يعمل هذا النوع من الأجهزة بطريقة مختلفة عن السماعات العادية التي تضخم الصوت عبر الأذن الوسطى، إذ يعتمد BAHA على مبدأ توصيل الصوت عبر العظام مباشرة إلى الأذن الداخلية (القوقعة)، وهي بنية حلزونية تلعب دورًا أساسيًا في السمع.
يتضمن النظام زرع جزء صغير من التيتانيوم في العظم خلف الأذن، يندمج مع العظام بيولوجيًا، ثم يُوصل به معالج صوتي خارجي عبر موصل خارجي. يقوم هذا المعالج بتحويل الأصوات إلى اهتزازات تنتقل عبر عظام الجمجمة مباشرة إلى القوقعة، حيث تُفسَّر كصوت واضح وطبيعي دون الحاجة لاستخدام القناة السمعية أو العظيمات التالفة. يُعد هذا الجهاز خيارًا فعالًا ومتقدمًا لمن لا يستطيعون الاستفادة من السماعات الهوائية التقليدية، ويقدم تجربة سمعية محسّنة وطبيعية بفضل تقنية النقل العظمي المباشر.

أنواع أنظمة السمع بالتوصيل العظمي
هناك نوعان رئيسيان من أنظمة السمع بالتوصيل العظمي:
- غرسات التوصيل العظمي (BAHA): هذا هو النوع الأكثر شيوعًا. يقوم الجراح بوضع زرعة صغيرة من التيتانيوم في العظم خلف أذنك. بمجرد التئام الزرعة، يمكنك توصيل المعالج الصوتي الخارجي لاستعادة السمع. يمكنك إزالة المعالج أثناء النوم أو الاستحمام أو عند إجراء العلاجات الشعرية.
- التوصيل العظمي غير الجراحية (BCHA): يوصي مقدمو الرعاية الصحية عادةً بأجهزة السمع غير الجراحية بالتوصيل العظمي للأطفال دون سن الخامسة وللأشخاص الذين لا يرغبون في الخضوع للجراحة. بعض أجهزة السمع بالتوصيل العظمي تُلصق مباشرة بالجلد باستخدام مادة لاصقة، بينما يثبت بعضها الآخر على رباط للرأس يمكن ارتداؤه عند الحاجة.
يمكن لاختصاصي الأنف والأذن والحنجرة (ENT) وأخصائي السمعيات مساعدتك في تحديد الخيار المناسب لحالتك. تعتمد أهلية جهاز السمع المثبت على العظم على عدة عوامل، بما يشمل عمرك وتاريخك الطبي ونوع فقدان السمع وتفضيلاتك الشخصية.
كيف تعمل تقنية غرسات التوصيل العظمي (BAHA)؟
يعتمد جهاز غرسات التوصيل العظمي على مبدأ نقل الصوت عبر العظام بدلاً من المسار التقليدي الذي يمر عبر الأذن الخارجية والوسطى. فعند وضع الجهاز وتشغيله، يقوم المعالج الخارجي بالتقاط الأصوات من البيئة وتحويلها إلى اهتزازات ميكانيكية دقيقة. تنتقل هذه الاهتزازات مباشرة عبر الزرعة المثبتة في عظام الجمجمة، لتصل إلى القوقعة في الأذن الداخلية دون الحاجة لاستخدام طبلة الأذن أو العظيمات السمعية. في الأذن الطبيعية، تقوم طبلة الأذن والعظيمات الثلاث (المطرقة والسندان والركاب) بنقل الاهتزازات الصوتية إلى الأذن الداخلية.
أما في الحالات التي تكون فيها هذه الأجزاء تالفة أو غير فعّالة، يعمل نظام BAHA كجسر بديل، بحيث يسمح بوصول الصوت مباشرة إلى القوقعة، حيث يُحوّل بعدها إلى إشارات كهربائية تُرسل إلى الدماغ ليتم تفسيرها كصوت واضح وطبيعي. وبفضل هذه الآلية الذكية، يوفر الجهاز قدرة سمعية جيدة حتى للمرضى الذين لا يمكن للأجهزة التقليدية مساعدتهم بسبب انسداد القناة السمعية أو تلف الأذن الوسطى.
الفرق بين أجهزة السمع التقليدية وجهاز BAHA
تعمل أجهزة السمع التقليدية على تضخيم الصوت وإرساله عبر القناة السمعية مرورًا بطبلة الأذن والعظيمات السمعية حتى يصل إلى الأذن الداخلية. وهذا يجعلها فعّالة فقط لدى الأشخاص الذين تعمل لديهم أجزاء الأذن الخارجية والوسطى بشكل طبيعي. ولكن في الحالات التي يكون فيها انسداد في القناة السمعية أو تلف في العظيمات أو التهابات مزمنة في الأذن الوسطى، تصبح السماعات التقليدية غير مجدية أو غير مريحة.
أما جهاز زراعة العظام السمعية (BAHA) فيعتمد على طريقة مختلفة تمامًا، إذ لا يحتاج لمرور الصوت عبر الأذن الخارجية أو الوسطى. بل يقوم الجهاز بتحويل الصوت إلى اهتزازات تنتقل عبر عظام الجمجمة مباشرةً إلى القوقعة في الأذن الداخلية. وهذا يعني أنه يتجاوز الجزء المتضرر من الأذن ويوصل الصوت مباشرةً إلى مركز السمع، مما يمنح المريض صوتًا أوضح وأكثر طبيعية دون الحاجة لوضع جهاز داخل القناة السمعية. وبهذا يُعد جهاز BAHA خياراً متقدماً للأشخاص الذين لا تلائمهم الأجهزة التقليدية أو لا تحقق لهم النتيجة المطلوبة.
من يحتاج إلى زراعة العظام السمعية؟
تُعد زراعة العظام السمعية خيارًا مناسبًا لفئات محددة من المرضى الذين يعانون من مشاكل تمنع الصوت من الوصول بشكل طبيعي إلى الأذن الداخلية. وتُوصى هذه التقنية بشكل خاص للحالات التي لا تستفيد من الأجهزة السمعية التقليدية أو تواجه صعوبة في استخدامها. قد يكون جهاز BAHA مناسبًا في الحالات التالية:
- ضعف السمع التوصيلي: عندما تكون المشكلة في الأذن الخارجية أو الوسطى، مثل تلف العظيمات السمعية أو تصلبها.
- انسداد أو تشوه القناة السمعية: سواء كان خلقيًا أو نتيجة إصابات أو التهابات مزمنة.
- التهابات الأذن المزمنة: التي تجعل استخدام السماعات التقليدية غير ممكن أو يسبب تهيجًا دائمًا.
- فقدان السمع أحادي الجانب (SSD): حيث يساعد BAHA على نقل الصوت من الجانب المصاب إلى الأذن السليمة.
- تشوهات خلقية في صيوان أو قناة الأذن: مثل صغر حجم القناة أو غيابها.
- ورم كوليستيرولي
- ورم العصب السمعي
- داء منيير
يُساعد هذا الخيار المرضى على استعادة القدرة السمعية بشكل فعّال، خاصةً عند استحالة أو فشل الطرق التقليدية، مما يمنحهم فرصة أفضل للتواصل وتحسين جودة الحياة.

خطوات غرسات التوصيل العظمي (BAHA)
تُعد زراعة العظام السمعية إجراءً جراحياً بسيطاً نسبياً، يُجرى عادة تحت تخدير عام أو موضعي حسب عمر المريض وحالته الصحية، وتستغرق العملية عادة ما بين 30 إلى 60 دقيقة حسب نوع نظام السمع المستخدم. وتهدف العملية لضمان اندماج الزرعة مع عظام الجمجمة وتحقيق أفضل نتيجة سمعية ممكنة. تتم العملية وفق المراحل التالية:
- الفحص والتحضير قبل الجراحة: يشمل تقييم حالة السمع باستخدام اختبارات سمعية وتصويرية مثل الأشعة المقطعية، للتأكد من ملاءمة المريض لهذا النوع من الزرعات.
- التخدير: يُعطى المريض التخدير المناسب لضمان الراحة، وقد يكون موضعيًا أو عامًا حسب حالته.
- الشق الجراحي خلف الأذن: يقوم الجراح بعمل شق صغير في الجلد خلف الأذن للوصول إلى العظم القحفي (العظم الخشائي).
- تثبيت الزرعة في العظم: تُزرع زرعة التيتانيوم في العظم، ويبلغ قطرها حوالي 3 إلى 4 ملم.
- وضع الدعامة أو الموصل الخارجي: يُثبت الجزء الخارجي للزرعة أو الدعامة، وتلتئم البشرة حولها بحيث تبقى ظاهرة قليلاً.
- إغلاق الشق وتغطية المنطقة: يُغلق الشق بالغرز ويُغطى بضماد جراحي لحماية المنطقة أثناء الشفاء.
- فترة الالتئام والاندماج العظمي: يحتاج العظم لعدة أسابيع أو أشهر للاندماج الكامل مع الزرعة، وهي خطوة أساسية قبل تركيب المعالج الصوتي الخارجي. عادة تستغرق هذه الفترة من شهر إلى ثلاثة أشهر حسب نوع الجهاز وقدرة الجسم على الشفاء.
- تركيب وتشغيل المعالج الصوتي الخارجي: بعد اكتمال الشفاء والاندماج العظمي، يُثبت المعالج الصوتي الخارجي ويُضبط وفق استجابة السمع لدى المريض للحصول على أفضل أداء ممكن.
مزايا غرسات التوصيل العظمي
مثل أي إجراء طبي، تتمتع زراعة العظام السمعية (BAHA) بمجموعة من المزايا التي تجعلها خيارًا ممتازًا للعديد من المرضى. مايلي مزايا غرسات التوصيل العظمي:
- تحسين واضح في جودة السمع: يعتمد الجهاز على توصيل الصوت مباشرة إلى الأذن الداخلية، مما يمنح المريض صوتًا أوضح وأكثر نقاءً مقارنة بالسماعات التقليدية، خصوصًا في البيئات الصاخبة.
- مناسبة للحالات التي لا تنجح معها السماعات العادية: مثل انسداد القناة السمعية أو التشوهات الخلقية أو التهابات الأذن المزمنة.
- راحة أعلى أثناء الاستخدام: الجهاز لا يوضع داخل القناة السمعية، مما يقلل الإحساس بالانسداد أو الضغط أو الحساسية الجلدية.
- قابل للضبط والتطوير: يمكن تحديث المعالج الخارجي دون الحاجة لإعادة الجراحة، مما يسمح بمتابعة التطور التقني في المستقبل.
- تحسين جودة الحياة والتواصل الاجتماعي: إذ يشعر المرضى بقدرة أفضل على السمع في المحادثات اليومية، مما يُقلل العزلة الاجتماعية ويزيد الثقة بالنفس.

عيوب غرسات التوصيل العظمي
يوجد لجهاز غرسات التوصيل العظمي بعض التحديات أو العيوب التي يجب أخذها في الاعتبار قبل اتخاذ القرار النهائي. مايلي عيوب غرسات التوصيل العظمي:
- الحاجة لإجراء جراحي: بعض المرضى قد يترددون بسبب ضرورة تركيب زرعة جراحية في عظام الجمجمة.
- احتمالية حدوث تهيج أو التهاب حول مكان الزرعة: خاصة في الأشهر الأولى بعد العملية، ويتطلب ذلك عناية وتنظيفًا منتظمًا.
- ليس مناسبًا لجميع أنواع ضعف السمع: BAHA مصمم أساسًا لضعف السمع التوصيلي أو فقدان السمع أحادي الجانب، وقد لا يكون فعالًا في فقدان السمع الحسي العصبي الشديد.
- تكلفة أعلى مقارنة بالأجهزة التقليدية: سواء من حيث سعر الجهاز أو تكاليف الجراحة.
تُعد زراعة العظام السمعية خيارًا متطورًا وفعّالًا لمن يعانون من مشاكل لا يمكن حلها بالطرق التقليدية، بشرط أن يتم تقييم الحالة بدقة من قبل أخصائي السمع وجراحة الأذن.
مدة التعافي بعد غرسات التوصيل العظمي
بعد إجراء عملية زراعة العظام السمعية، تُعتبر فترة التعافي معتدلة إلى قصيرة مقارنة بعمليات أكثر تعقيدًا. في الأيام الأولى، قد يعاني المريض من تورم خفيف أو بعض الانزعاج حول موقع الزرعة، ولكن هذا يزول تدريجيًا خلال أسبوع تقريبًا. خلال الأسابيع التي تلي الجراحة، يلتئم العظم مع الزرعة والتي قد تستغرق من 6 إلى 12 أسبوعًا حسب سرعة الشفاء الفردية وصحة العظام. بعد التأكد من اندماج الزرعة، يتم تركيب المعالج الصوتي الخارجي وضبطه، وعادة ما يُفعل الجهاز بالكامل خلال 3 إلى 4 أشهر من العملية، حسب توصيات الجراح وأخصائي السمع.
نتائج العملية وتوقعات المرضى
غالبًا ما تكون نتائج BAHA إيجابية وملحوظة في تحسين السمع لدى المرضى الذين يعانون من ضعف التوصيل أو انسداد قناة الأذن أو فقدان السمع أحادي الجانب. بعد تشغيل المعالج الخارجي وضبطه، يشعر الكثير من المرضى بتحسن كبير في وضوح الصوت، خاصة في البيئات الصاخبة أو أثناء المحادثات. كما أن بعض المرضى الذين سبق أن استخدموا سماعات تقليدية يلاحظون فرقًا في الراحة وجودة السمع عند استخدام BAHA.
من جهة جودة الحياة، غالبًا ما يشير المرضى إلى قدرة أعلى على التواصل اجتماعيًا، انخفاض الشعور بالانعزال، وزيادة الثقة بالنفس. بالطبع، تختلف النتائج من شخص لآخر بناءً على التشخيص، صحة الأذن الداخلية، واستجابة العظم للزرعة، لذا من المهم وجود توقعات واقعية والتزام بمراجعات الأطباء.
في الختام، تُعتبر غرسات التوصيل العظمي (BAHA) خطوة متقدمة وفعّالة لإعادة السمع للأشخاص الذين لا تناسبهم الأجهزة السمعية التقليدية، سواء بسبب مشاكل تشريحية، التهابات مزمنة، أو فقدان السمع أحادي الجانب. وقد أثبتت هذه التقنية نجاحها في تحسين جودة السمع ونوعية الحياة بفضل اعتمادها على التوصيل العظمي المباشر إلى الأذن الداخلية بدلًا من الاعتماد على الأذن الخارجية والوسطى.
ومع تطور التقنيات الطبية وزيادة خبرات الفرق المتخصصة، أصبحت هذه العملية أكثر أمانًا ونتائجها أكثر استقرارًا وموثوقية. لذلك، يُنصح المرضى الذين يعانون من أنواع معينة من فقدان السمع بمراجعة طبيب الأنف والأذن والحنجرة وأخصائي السمع لمعرفة مدى أهليتهم لهذا الخيار العلاجي. وفي مركز بيمارستان الطبي، نقدم تقييماً شاملاً للحالة مع أحدث الخيارات العلاجية وتقنيات زراعة السمع، بإشراف خبراء مختصين لضمان أفضل نتائج ممكنة وتحسين تجربة المريض السمعية والحياتية.
المصادر:
- Hagr A. BAHA: Bone-Anchored Hearing Aid. Int J Health Sci (Qassim). 2007 Jul;1(2):265-76
- Bento RF, Kiesewetter A, Ikari LS, Brito R. Bone-anchored hearing aid (BAHA): indications, functional results, and comparison with reconstructive surgery of the ear. Int Arch Otorhinolaryngol. 2012 Jul;16(3):400-5
- Johns Hopkins Medicine. (n.d.). Bone conduction hearing aids or hearing systems, also called osseointegrated or bone-anchored devices
