تُعد أمراض الرئة والصدر من الحالات التي قد تؤثر بشكل مباشر على قدرة الجسم على التنفس وتزويده بالأكسجين، لذلك فإن ظهور ألم صدري مفاجئ أو صعوبة في التنفس قد يكون مؤشراً على مشكلة طبية تحتاج إلى تقييم وعلاج سريع، تختلف اضطرابات الصدر من حيث شدتها وأسبابها، فبعضها يكون بسيطاً ومؤقتاً، بينما قد تتطور حالات أخرى لتصبح مهددة للحياة إذا لم تُشخّص وتعالج بالشكل المناسب.
ومن بين هذه الحالات يبرز استرواح الصدر كأحد الاضطرابات الصدرية الشائعة التي قد تحدث بشكل مفاجئ لدى بعض الأشخاص، سواء نتيجة إصابة مباشرة أو بسبب أمراض رئوية معينة أو حتى دون وجود سبب واضح أحياناً. قد تتراوح أعراضه بين الانزعاج البسيط والحالات الإسعافية الشديدة التي تتطلب تدخلاً طبياً فورياً.
ما هو استرواح الصدر؟
استرواح الصدر، أو الرئة المنكمشة هو تجمع للهواء داخل الحيز الجنبي بين الرئة وجدار الصدر، مما يؤدي إلى زيادة الضغط على الرئة وانكماشها جزئياً أو كلياً، وبالتالي صعوبة تمددها أثناء التنفس بشكل طبيعي. قد يسبب ذلك أعراضاً تتراوح بين ألم الصدر الخفيف وضيق النفس البسيط، وصولاً إلى اضطرابات تنفسية شديدة في بعض الحالات.
تختلف شدة استرواح الصدر بحسب كمية الهواء المتجمعة داخل الجوف الجنبي وسرعة تراكمها، فقد تكون الحالة بسيطة وتتحسن بالمراقبة، بينما قد تتطور أحياناً إلى حالة إسعافية خطيرة تحتاج إلى تدخل طبي فوري.
أنواع استرواح الصدر
يوجد نوعان رئيسيان من استرواح الصدر هما الاسترواح العفوي والاسترواح الرضي، ويندرج تحت كل منهما عدة أنواع فرعية تختلف بحسب السبب وآلية حدوث الحالة.
استرواح الصدر العفوي
يحدث هذا النوع دون وجود إصابة مباشرة للصدر، ويشمل:
- استرواح الصدر العفوي الأولي: يحدث لدى أشخاص لا يعانون من مرض رئوي واضح، وغالباً ما يظهر بشكل مفاجئ.
- الاسترواح الصدري العفوي الثانوي: يحدث نتيجة وجود مرض أو اضطراب سابق في الرئة، ويكون عادة أكثر شدة من النوع الأولي.
استرواح الصدر الرضي
ينتج عن إصابة مباشرة للصدر أو الرئة، ويشمل:
- الاسترواح الصدري الناتج عن الرضوض: يحدث بسبب الإصابات الصدرية المختلفة التي تؤدي إلى تسرب الهواء إلى الجوف الجنبي.
- استرواح الصدر التالي للإجراءات الطبية: قد يحدث كمضاعفة لبعض الإجراءات الطبية أو العمليات الجراحية الصدرية.
أنواع أخرى من الاسترواح الصدري
- الاسترواح الصدري الضاغط: يُعد من أخطر أشكال استرواح الصدر، ويحدث عندما يتراكم الهواء داخل الجوف الجنبي مع ازدياد الضغط على الرئة والقلب والأوعية الدموية، مما يجعله حالة إسعافية مهددة للحياة. يمكن لأي نوع من أنواع استرواح الصدر أن يتحول إلى استرواح صدري ضاغط في حال استمرار تسرب الهواء وعدم خروجه من الجوف الجنبي.
- الاسترواح الصدري الطمثي: هو نوع نادر يحدث لدى بعض النساء المصابات ببطانة الرحم الهاجرة، ويظهر غالباً بالتزامن مع الدورة الشهرية نتيجة انتقال أنسجة مشابهة لبطانة الرحم إلى داخل التجويف الصدري، مما قد يؤدي إلى تسرب الهواء وانخماص الرئة.

أسباب استرواح الصدر
يحدث استرواح الصدر نتيجة تسرب الهواء إلى الجوف الجنبي المحيط بالرئة، مما يؤدي إلى زيادة الضغط على الرئة وانكماشها، وقد يحدث ذلك بشكل عفوي أو نتيجة إصابة مباشرة أو كأحد مضاعفات بعض الأمراض والإجراءات الطبية.
الأمراض الرئوية
تزيد بعض الأمراض الرئوية من خطر حدوث الاسترواح الصدري بسبب ضعف نسيج الرئة أو تشكل الفقاعات الهوائية داخله، ومن أهمها:
- الانسداد الرئوي المزمن (COPD)
- الربو
- التليف الكيسي
- التليف الرئوي
- السل الرئوي
- سرطان الرئة
- الالتهابات الرئوية الشديدة
كما يُعد تمزق الفقاعات الهوائية الصغيرة الموجودة على سطح الرئة من أكثر أسباب استرواح الصدر العفوي الأولي شيوعاً.
الإصابات والرضوض
قد يحدث استرواح الصدر نتيجة الإصابات الصدرية المختلفة التي تؤدي إلى تسرب الهواء من الرئة، مثل:
- الطعنات والجروح النافذة
- الطلقات النارية
- كسور الأضلاع
- الحوادث المرورية
- السقوط أو الرضوض الشديدة على الصدر
الأسباب الطبية والإجراءات العلاجية
قد يظهر الاسترواح الصدري أحياناً كمضاعفة لبعض الإجراءات الطبية أو الجراحية، ومن أبرزها:
- خزعة الرئة
- تنظير القصبات
- إدخال القثاطر الوريدية المركزية
- التهوية الآلية
- بعض العمليات الجراحية الصدرية
عوامل الخطر
توجد عدة عوامل قد تزيد من احتمال الإصابة باستـرواح الصدر، من أهمها:
- التدخين
- الطول الزائد والنحافة
- وجود قصة عائلية للإصابة السابقة
- متلازمة مارفان
- تغيرات الضغط الجوي مثل الغوص العميق أو السفر الجوي في بعض الحالات
كما أن الأشخاص الذين تعرضوا سابقاً لاسترواح الصدر يكونون أكثر عرضة لحدوثه مرة أخرى مقارنة بغيرهم.
أعراض استرواح الصدر
تختلف أعراض استرواح الصدر بحسب كمية الهواء المتجمعة داخل الجوف الجنبي وسرعة تراكمها، وقد تتراوح الأعراض بين الخفيفة والشديدة تبعاً لنوع الحالة ودرجة انخماص الرئة.
حيث يُعد ألم الصدر المفاجئ وضيق التنفس من أكثر أعراض الاسترواح الصدري شيوعاً، وغالباً ما يكون الألم حاداً أو واخزاً ويزداد مع الشهيق أو السعال، كما قد يشعر المريض بانزعاج أو ضغط في الصدر مع صعوبة متفاوتة في التنفس. قد تشمل الأعراض الأخرى:
- تسارع التنفس
- تسارع ضربات القلب
- السعال الجاف
- الشعور بالتعب أو الدوخة
- ازرقاق الشفتين أو الوجه في الحالات الشديدة
تبدأ الأعراض عادة بشكل مفاجئ، وقد تكون خفيفة في الاسترواح البسيط، بينما تظهر بصورة أشد وأكثر خطورة في الاسترواح الصدري الضاغط أو عند المرضى المصابين بأمراض رئوية مزمنة.
متى يكون استرواح الصدر حالة إسعافية؟
يحتاج استرواح الصدر إلى تدخل طبي إسعافي عند حدوث ضيق نفس شديد أو تدهور سريع في حالة المريض، خاصةً إذا ترافق ذلك مع ازرقاق الوجه أو اضطراب الوعي أو علامات الاسترواح الصدري الضاغط، لأن التأخر في العلاج قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة تهدد الحياة.
تشخيص استرواح الصدر
يعتمد تشخيص استرواح الصدر على الأعراض التي يعاني منها المريض والفحص السريري، حيث يسأل الطبيب عن ألم الصدر وضيق التنفس والتاريخ المرضي ووجود أمراض رئوية سابقة أو إصابات صدرية، ثم يفحص الصدر بالسماعة الطبية وقد يلاحظ ضعف أو غياب الأصوات التنفسية في الجهة المصابة، ولتأكيد التشخيص وتقييم شدة الحالة قد تُستخدم الفحوص التالية:
- صورة الصدر البسيطة بالأشعة السينية: وهي الفحص الأكثر استخداماً لتأكيد وجود الاسترواح الصدري.
- التصوير المقطعي المحوسب: يُستخدم للكشف عن الاسترواح الصغير أو تقييم الأمراض الرئوية المرافقة بشكل أدق.
- التصوير بالأمواج فوق الصوتية: خاصةً في الحالات الإسعافية ومرضى الرضوض الصدرية.
- قياس نسبة الأكسجين في الدم أو تحليل غازات الدم الشرياني: لتقييم وظيفة التنفس.
- تخطيط القلب الكهربائي: في بعض الحالات لاستبعاد الأسباب القلبية لألم الصدر.

علاج استرواح الصدر
يعتمد علاج استرواح الصدر على شدة الحالة وكمية الهواء المتجمعة داخل الجوف الجنبي، بالإضافة إلى الأعراض العامة وحالة الرئة لدى المريض، وتتراوح خيارات العلاج بين المراقبة البسيطة والإجراءات التداخلية والجراحة في الحالات المتقدمة، ويهدف العلاج بشكل أساسي إلى إزالة الهواء المتراكم ومساعدة الرئة على التمدد مجدداً ومنع تكرر الاسترواح الصدري قدر الإمكان.
1. المراقبة والعلاج بالأكسجين
قد لا يحتاج الاسترواح الصدري البسيط إلى تدخل جراحي، إذ يمكن أن يُشفى تدريجياً مع المراقبة وإعطاء الأكسجين لتسريع امتصاص الهواء من الجوف الجنبي، وخلال هذه الفترة تُجرى صور شعاعية دورية للتأكد من تمدد الرئة وتحسن الحالة.
2. شفط الهواء بالإبرة
في بعض الحالات يُستخدم شفط الهواء بواسطة إبرة أو قثطار رفيع لإزالة الهواء المتجمع حول الرئة، خاصةً عند المرضى الذين يعانون من أعراض واضحة أو عندما يكون الاسترواح متوسط الحجم.
3. تصريف الصدر بأنبوب
إذا كان استرواح الصدر كبيراً أو سبب ضيق نفس شديداً، فقد يحتاج المريض إلى وضع أنبوب صدر داخل الجوف الجنبي لتفريغ الهواء بشكل مستمر حتى تعود الرئة إلى التمدد الطبيعي، وقد يبقى الأنبوب لعدة أيام بحسب استجابة الحالة للعلاج.

4. إيثاق الجنب
قد يُجرى إيثاق الجنب كجزء من العلاج الجراحي أو كخيار للمرضى غير القادرين على تحمل الجراحة بهدف تقليل خطر تكرر الاسترواح الصدري، ويعتمد على إحداث التصاق بين وريقتي الجنب باستخدام مواد خاصة مثل بودرة التالك أو بعض الأدوية المهيجة للجنب.
5. العلاجات التداخلية المتقدمة
في بعض الحالات المعقدة التي يستمر فيها تسرب الهواء رغم العلاج التقليدي، قد تُستخدم تقنيات علاجية متقدمة مثل حقن الدم الذاتي داخل الجوف الجنبي للمساعدة على إغلاق التسرب الهوائي، أو وضع صمامات أحادية الاتجاه عبر تنظير القصبات لتقليل تسرب الهواء ومساعدة الرئة على التمدد مجدداً.
6. الجراحة لعلاج استرواح الصدر
قد يحتاج بعض المرضى إلى التدخل الجراحي، خاصةً في حالات تكرر الاسترواح الصدري أو استمرار تسرب الهواء أو عدم تمدد الرئة رغم العلاج، وغالباً ما تُجرى الجراحة باستخدام التنظير الصدري بمساعدة الفيديو (VATS)، حيث يتم إصلاح منطقة التسرب واستئصال الفقاعات الهوائية المسببة للحالة مع إمكانية إجراء إيثاق للجنب لتقليل احتمال النكس.
ومن أهم الحالات التي قد تستدعي الجراحة:
- تكرر الاسترواح الصدري
- استمرار تسرب الهواء لأكثر من عدة أيام
- إصابة الرئتين معاً
- عدم تمدد الرئة رغم وضع أنبوب الصدر
- المرضى المعرضون لتغيرات الضغط مثل الطيارين والغواصين
- بعض الإصابات والرضوض الصدرية الشديدة
المتابعة بعد العلاج
بعد الشفاء قد يوصي الطبيب بتجنب بعض النشاطات لفترة مؤقتة، مثل السفر الجوي أو الغوص أو المجهودات الشديدة، مع ضرورة الالتزام بالمراجعات الدورية للتأكد من عدم عودة الاسترواح الصدري مرة أخرى.
مضاعفات استرواح الصدر
قد يؤدي استرواح الصدر إلى مضاعفات خطيرة في حال كان كبيراً أو لم يُعالج بالشكل المناسب، خاصةً عند المرضى المصابين بأمراض رئوية مزمنة أو في حالات الاسترواح الصدري الضاغط. من أبرز المضاعفات المحتملة:
- الفشل التنفسي نتيجة انخماص الرئة وصعوبة التبادل الطبيعي للأكسجين
- انخفاض مستوى الأكسجين في الدم واضطراب الدورة الدموية في الحالات الشديدة
- انصباب جنب دموي عند ترافق الاسترواح مع نزف داخل الجوف الجنبي
- استمرار تسرب الهواء من الرئة لفترة طويلة
- عودة الاسترواح الصدري مرة أخرى بعد العلاج
- الضغط على القلب والأوعية الدموية الكبيرة في الاسترواح الصدري الضاغط، مما قد يهدد حياة المريض
- الوفاة في الحالات الشديدة غير المعالجة أو عند التأخر في التدخل الإسعافي
الوقاية من استرواح الصدر
لا يمكن الوقاية من جميع حالات استرواح الصدر، خاصةً الأنواع العفوية التي قد تحدث دون سبب واضح، لكن يمكن تقليل خطر الإصابة أو تكرر الحالة عبر الالتزام ببعض الإجراءات الوقائية المهمة.
من أهم النصائح التي تساعد على الوقاية من الاسترواح الصدري:
- الإقلاع عن التدخين، لأنه من أهم عوامل خطر الإصابة باستـرواح الصدر وتكراره
- الالتزام بمتابعة الأمراض الرئوية المزمنة وعلاجها بشكل منتظم
- اتباع تعليمات السلامة لتقليل خطر الإصابات والرضوض الصدرية
- الالتزام بالمراجعات الدورية بعد العلاج، خاصةً لدى المرضى الذين تعرضوا سابقاً لاسترواح الصدر
- تجنب الغوص العميق أو الأنشطة التي تترافق مع تغيرات كبيرة في الضغط الجوي إلا بعد استشارة الطبيب
وقد يكون بعض الأشخاص أكثر عرضة للإصابة بسبب عوامل وراثية أو أمراض رئوية معينة، لذلك تبقى المتابعة الطبية مهمة للكشف المبكر وتقليل خطر المضاعفات.
في الختام، يُعد استرواح الصدر من الحالات التي قد تتراوح شدتها بين البسيطة والحالات الإسعافية الخطيرة، لذلك فإن التشخيص المبكر والعلاج المناسب يلعبان دوراً مهماً في منع المضاعفات وتحسين فرص الشفاء، ومع تطور وسائل التشخيص والعلاج الحديثة أصبحت معظم حالات الاسترواح الصدري قابلة للعلاج بنجاح خاصةً عند الالتزام بالمتابعة الطبية وتجنب عوامل الخطر التي قد تزيد احتمال تكرر الحالة.
المصادر:
- National Center for Biotechnology Information. (2023). Pneumothorax. In StatPearls.
- Harvard Health Publishing. (2023). Pneumothorax: A to Z.
