يُعد انسداد الأمعاء عند حديثي الولادة من الحالات الجراحية الدقيقة التي قد تظهر خلال الأيام الأولى بعد الولادة، ويحدث عندما يتوقف مرور الحليب والسوائل والغازات عبر الأمعاء بشكل طبيعي، وقد يكون الانسداد ناتجاً عن تشوه خلقي في الأمعاء، أو ضيق في جزء منها، أو التفاف غير طبيعي، أو أسباب أخرى تؤثر في حركة الجهاز الهضمي عند الرضيع.
تحتاج هذه الحالة إلى تقييم طبي سريع، لأن تأخر التشخيص قد يؤدي إلى انتفاخ شديد في البطن، وقيء متكرر، واضطراب في تغذية الطفل، وقد تؤدي مضاعفات خطيرة في الأمعاء، وتُعد جراحة انسداد الأمعاء عند حديثي الولادة من أهم الخيارات العلاجية عندما يكون الانسداد كاملاً أو عندما لا يمكن علاجه بالطرق المحافظة، إذ تهدف العملية إلى إزالة سبب الانسداد وإعادة مرور محتويات الأمعاء بطريقة آمنة قدر الإمكان.
ما هو انسداد الأمعاء عند حديثي الولادة؟
انسداد الأمعاء عند حديثي الولادة هو توقف جزئي أو كامل في مرور الحليب والسوائل والغازات عبر الأمعاء خلال الأيام الأولى من الحياة، ويحدث ذلك عندما يوجد عائق داخل الأمعاء أو ضغط خارجي عليها أو خلل في حركة الأمعاء يمنعها من دفع محتوياتها بشكل طبيعي.
تختلف شدة الحالة حسب مكان الانسداد وسببه؛ فقد يكون الانسداد في الأمعاء الدقيقة أو الغليظة، وقد يظهر منذ الساعات الأولى بعد الولادة على شكل قيء متكرر، أو انتفاخ في البطن، أو تأخر خروج البراز الأول، أو ضعف في الرضاعة، وتُعد هذه الحالة من المشكلات التي تحتاج إلى تقييم سريع من طبيب الأطفال وجراح الأطفال لتحديد ما إذا كان الطفل يحتاج إلى مراقبة وعلاج داعم أم إلى تدخل جراحي.

أسباب انسداد الأمعاء عند حديثي الولادة
تتنوع أسباب انسداد الأمعاء عند حديثي الولادة، وغالباً ما تكون مرتبطة بمشكلة خلقية في تكوّن الأمعاء أو في حركتها، ويختلف نوع العلاج حسب مكان الانسداد ودرجته وحالة الطفل العامة، وتشمل أبرز الأسباب المحتملة لانسداد الأمعاء عند حديثي الولادة ما يلي:
- رتق الأمعاء أو تضيقها: يحدث عندما يكون جزء من الأمعاء مغلقاً أو أضيق من الطبيعي، ما يمنع مرور محتويات الأمعاء بشكل سليم.
- سوء دوران الأمعاء: ينتج عن تموضع غير طبيعي للأمعاء داخل البطن، وقد يترافق أحياناً مع التفاف الأمعاء حول نفسها، وهي حالة تحتاج إلى تدخل سريع.
- داء هيرشسبرونغ: يحدث بسبب غياب بعض الخلايا العصبية المسؤولة عن حركة جزء من القولون، ما يؤدي إلى صعوبة مرور البراز والغازات.
- العقي السميك: قد يسد البراز الأول للطفل جزءاً من الأمعاء، خاصة إذا كان كثيفاً أو لزجاً بشكل غير طبيعي.
- الفتق المختنق: يحدث عندما ينحشر جزء من الأمعاء داخل فتق ولا يستطيع العودة إلى مكانه الطبيعي، ما قد يسبب انسداداً وضعفاً في التروية الدموية.
- الانسداد الناتج عن الالتصاقات أو الالتواءات: قد يحدث بسبب التفاف جزء من الأمعاء أو وجود أربطة داخلية تضغط عليها وتمنع مرور محتوياتها.
أعراض انسداد الأمعاء عند حديثي الولادة
تظهر أعراض انسداد الأمعاء عند حديثي الولادة غالباً خلال الساعات أو الأيام الأولى بعد الولادة، وقد تختلف شدتها حسب مكان الانسداد ودرجته، وكلما كان الانسداد أقرب إلى بداية الأمعاء ظهرت الأعراض بشكل أبكر، بينما قد تتأخر قليلاً إذا كان الانسداد في الأجزاء السفلية من الأمعاء، وتشمل أهم أعراض انسداد الأمعاء عند حديثي الولادة ما يلي:
- القيء المتكرر: قد يكون القيء حليبياً أو أخضر اللون إذا احتوى على العصارة الصفراوية.
- انتفاخ البطن: يزداد الانتفاخ تدريجياً بسبب تراكم الغازات والسوائل داخل الأمعاء.
- تأخر خروج العقي: وهو البراز الأول للطفل، وقد يكون تأخر خروجه علامة مهمة على وجود انسداد.
- ضعف الرضاعة: قد يرفض الطفل الرضاعة أو لا يستطيع تحمل الحليب بشكل طبيعي.
- قلة التبرز أو انقطاعه: يحدث ذلك بسبب عدم قدرة محتويات الأمعاء على المرور.
- الخمول أو تدهور الحالة العامة: قد يظهر في الحالات الشديدة أو عند تأخر العلاج.
كيف يتم تشخيص انسداد الأمعاء عند حديثي الولادة؟
يبدأ تشخيص انسداد الأمعاء عند حديثي الولادة من ملاحظة الأعراض السريرية وفحص الطفل بدقة، إذ يهتم الطبيب بمعرفة وقت بدء القيء، ولونه، ومدى انتفاخ البطن، وهل خرج العقي خلال الساعات الأولى بعد الولادة أم لا. كما يتم تقييم قدرة الطفل على الرضاعة، وحالته العامة، ووجود علامات جفاف أو خمول أو ألم عند لمس البطن، لأن هذه التفاصيل تساعد في تقدير شدة الانسداد ومكانه المحتمل.
بعد الفحص السريري تُستخدم الفحوص التصويرية لتأكيد التشخيص وتحديد سبب الانسداد، مثل تصوير البطن بالأشعة السينية، أو التصوير بالموجات فوق الصوتية، أو التصوير الظليل عند الحاجة، وقد تُطلب أيضاً تحاليل دم لتقييم الأملاح والسوائل ووضع الطفل قبل العلاج، خاصة إذا كان القيء متكرراً أو كانت الحالة تحتاج إلى جراحة. يساعد هذا التقييم المتكامل جراح الأطفال على اختيار الخطة الأنسب، سواء بالمراقبة والعلاج الداعم أو بالتدخل الجراحي السريع.
متى يحتاج حديث الولادة إلى جراحة انسداد الأمعاء؟
يحتاج حديث الولادة إلى جراحة انسداد الأمعاء عندما يكون الانسداد كاملاً أو عندما يكون السبب تشوهًا خلقياً لا يمكن علاجه بالأدوية أو المراقبة فقط، مثل رتق الأمعاء أو التفاف الأمعاء أو بعض حالات سوء دوران الأمعاء، وفي هذه الحالات لا تستطيع محتويات الأمعاء المرور بشكل طبيعي، وقد يؤدي تأخر العلاج إلى زيادة الانتفاخ والقيء واضطراب السوائل والأملاح، لذلك يكون التدخل الجراحي ضرورياً لإزالة سبب الانسداد وحماية الأمعاء من التلف.
كما تُصبح الجراحة أكثر إلحاحاً إذا ظهرت علامات خطورة مثل القيء الأخضر المتكرر، أو انتفاخ البطن الشديد، أو تدهور الحالة العامة للطفل، أو ضعف التروية الدموية للأمعاء، أو الاشتباه بحدوث انثقاب أو التهاب داخل البطن، ولا يعني وجود كل عرض أن الجراحة مؤكدة دائماً، لكن اجتماع الأعراض مع نتائج الفحص والتصوير يساعد جراح الأطفال على تحديد الوقت المناسب للتدخل، مع تحضير الطفل قبل العملية بالسوائل الوريدية وتصحيح الاضطرابات قدر الإمكان.
كيف تُجرى جراحة انسداد الأمعاء عند حديثي الولادة؟
تختلف طريقة جراحة انسداد الأمعاء عند حديثي الولادة حسب سبب الانسداد ومكانه وحالة الأمعاء أثناء العملية، لكن الهدف الأساسي يبقى واحداً، وهو إزالة العائق الذي يمنع مرور محتويات الأمعاء وإعادة وظيفة الجهاز الهضمي بأكبر قدر ممكن من الأمان. يحدد جراح الأطفال الخطة الجراحية بعد تقييم الفحوص والصور الشعاعية وحالة الطفل العامة.
التحضير قبل العملية
قبل الجراحة يتم إيقاف الرضاعة مؤقتاً لتخفيف الضغط على الأمعاء وتقليل خطر القيء والشفط إلى الرئتين، كما ويُعطى الطفل سوائل وريدية لتعويض النقص الناتج عن القيء أو عدم القدرة على التغذية، وقد تُستخدم أنبوبة عبر الأنف إلى المعدة لسحب السوائل والغازات المتراكمة داخل الجهاز الهضمي.
يشمل التحضير أيضاً تصحيح اضطرابات الأملاح والسوائل، وإجراء تحاليل الدم اللازمة، وتقييم حالة القلب والتنفس عند الحاجة، وفي بعض الحالات تُعطى المضادات الحيوية قبل العملية، خاصة إذا كان هناك اشتباه بحدوث التهاب أو ضعف في تروية الأمعاء.
إجراء الجراحة وإزالة الانسداد
تُجرى العملية تحت التخدير العام، ثم يصل الجراح إلى الأمعاء عبر شق جراحي في البطن، وقد تُستخدم الجراحة بالمنظار في بعض الحالات المختارة إذا كانت حالة الطفل تسمح بذلك، وبعد الوصول إلى الأمعاء، يبحث الجراح عن مكان الانسداد وسببه، مثل الرتق أو الالتفاف أو التضيق أو وجود جزء غير طبيعي من الأمعاء.
يعتمد الإجراء الجراحي على السبب؛ فقد يتم إزالة الجزء المسدود أو المتضرر من الأمعاء ثم وصل الطرفين السليمين معاً، أو فك الالتفاف، أو توسيع المسار، أو إنشاء فتحة مؤقتة لخروج البراز في بعض الحالات المعقدة. الهدف هو الحفاظ على أكبر قدر ممكن من الأمعاء السليمة مع تأمين مرور طبيعي وآمن بعد العملية.
العناية بالرضيع بعد الجراحة
بعد العملية يُنقل الطفل إلى وحدة العناية بحديثي الولادة أو قسم مراقبة متخصص، حيث تتم متابعة التنفس والنبض والحرارة وحركة الأمعاء بشكل دقيق، ولا يجب أن تبدأ الرضاعة من الأم مباشرة في معظم الحالات، بل ينتظر الفريق الطبي عودة حركة الأمعاء تدريجياً، وقد يستمر إعطاء السوائل أو التغذية الوريدية خلال هذه الفترة.
تتم مراقبة الجرح، وكمية السوائل الخارجة من أنبوبة المعدة، وخروج الغازات أو البراز، إضافة إلى علامات الالتهاب أو الانتفاخ أو القيء، وعندما تتحسن حركة الأمعاء يبدأ إدخال الحليب بكميات صغيرة ثم تُزاد تدريجياً حسب قدرة الطفل على التحمل واستقرار حالته.
التعافي بعد جراحة انسداد الأمعاء عند حديثي الولادة
يختلف التعافي بعد جراحة انسداد الأمعاء عند حديثي الولادة حسب سبب الانسداد، ونوع العملية، وحالة الأمعاء قبل الجراحة، حيث يحتاج الطفل غالباً إلى البقاء في المستشفى عدة أيام أو أكثر لمراقبة العلامات الحيوية، والتأكد من عودة حركة الأمعاء بشكل تدريجي، ومتابعة قدرته على تحمل الحليب دون قيء أو انتفاخ شديد.
في البداية قد يعتمد الطفل على السوائل أو التغذية الوريدية إلى أن تبدأ الأمعاء بالعمل من جديد، ثم تُعاد الرضاعة بكميات صغيرة وتزداد تدريجياً حسب استجابة الطفل. يراقب الفريق الطبي خروج الغازات والبراز، والتئام الجرح، وغياب علامات الالتهاب أو الانسداد المتكرر، وبعد الخروج من المستشفى يحتاج الرضيع إلى مراجعات منتظمة للتأكد من النمو الجيد، وتحسن التغذية، وعدم ظهور أعراض مقلقة مثل القيء الأخضر، انتفاخ البطن، الحمى، أو ضعف الرضاعة.
في الختام، تُعد جراحة انسداد الأمعاء عند حديثي الولادة من التدخلات الدقيقة التي تحتاج إلى تشخيص سريع وخبرة متخصصة في جراحة الأطفال وحديثي الولادة، لأن نجاح العلاج لا يعتمد على العملية فقط، بل على التحضير الجيد قبل الجراحة والمراقبة الدقيقة بعدها. ويساعد التدخل في الوقت المناسب على حماية الأمعاء وتقليل خطر المضاعفات وتحسين قدرة الطفل على الرضاعة والنمو بشكل طبيعي. ومن خلال التنسيق مع فرق طبية متخصصة، يوفّر مركز بيمارستان الطبي إمكانية تقييم الحالات الجراحية المعقدة عند الأطفال وربط العائلة بالخيارات العلاجية المناسبة ضمن مسار طبي واضح ومنظم.
المصادر:
- Hajivassiliou, C. A. (2003). Intestinal obstruction in neonatal/pediatric surgery.
- Verma, A., Rattan, K. N., Yadav, R., & Narang, R. (2016). Neonatal intestinal obstruction: A 15 year experience in a tertiary care hospital.
