تُعد جراحة رتق المريء عند الأطفال من التدخلات الجراحية المهمة في جراحة حديثي الولادة، إذ يُقدّر حدوث رتق المريء لدى نحو طفل واحد من كل 2,500 إلى 4,500 ولادة حية، وغالباً ما يُكتشف خلال الساعات أو الأيام الأولى بعد الولادة بسبب صعوبة الرضاعة، زيادة اللعاب، أو حدوث اختناق متكرر أثناء محاولة إطعام الطفل، وتزداد أهمية التعامل السريع مع هذه الحالة لأنها قد تترافق مع ناسور بين المريء والقصبة الهوائية في نسبة كبيرة من الحالات، ما يرفع خطر دخول الحليب أو اللعاب إلى الرئتين.
لا تقتصر أهمية الجراحة على تمكين الطفل من التغذية، بل تهدف أيضًا إلى حماية الجهاز التنفسي وتقليل خطر الالتهابات الرئوية والمضاعفات المبكرة، ولذلك يحتاج الطفل المصاب إلى تقييم دقيق داخل وحدة حديثي الولادة، مع تنسيق بين جرّاح الأطفال وطبيب التخدير والعناية المركزة، لاختيار توقيت العملية وخطتها بما يناسب وزن الطفل وحالته العامة ووجود أي تشوهات خلقية مرافقة.
ما هو رتق المريء عند حديثي الولادة؟
رتق المريء عند حديثي الولادة هو تشوه خلقي يولد فيه الطفل مع انقطاع في مسار المريء، بحيث لا يكون الأنبوب الذي ينقل الحليب من الفم إلى المعدة متصلاً بشكل طبيعي، ولذلك لا يستطيع الرضيع بلع الحليب وإيصالهُ إلى المعدة كما يجب، وقد تظهر العلامات منذ الساعات الأولى بعد الولادة على شكل زيادة اللعاب أو اختناق أو سعال أثناء محاولة الرضاعة، أو خروج الحليب من الفم أو الأنف، أو حدوث زرقة بسبب دخول السوائل إلى مجرى التنفس.
في كثير من الحالات يترافق رتق المريء مع ناسور رغامي مريئي، أي وجود اتصال غير طبيعي بين المريء والقصبة الهوائية، وهذا يزيد احتمال دخول اللعاب أو الحليب إلى الرئتين وحدوث التهاب أو صعوبة في التنفس، ولذلك يُعد رتق المريء حالة جراحية عند حديثي الولادة، ويحتاج الطفل إلى تشخيص سريع وتحضير دقيق قبل إجراء العملية المناسبة لإعادة توصيل المريء وحماية الجهاز التنفسي.
متى يُشتبه بوجود رتق المريء عند حديثي الولادة؟
يُشتبه بوجود رتق المريء عند حديثي الولادة غالباً خلال الساعات الأولى بعد الولادة، خاصة عندما يفشل الطفل في الرضاعة بشكل طبيعي أو تظهر عليه علامات اختناق متكرر مع كل محاولة إطعام، ومن العلامات المهمة أيضاً تجمع اللعاب والرغوة حول الفم، أو السعال الشديد أثناء الرضاعة، أو خروج الحليب من الفم أو الأنف، أو حدوث زرقة مفاجئة بسبب دخول اللعاب أو الحليب إلى مجرى التنفس بدلاً من وصوله إلى المعدة.
تزداد قوة الاشتباه عندما لا يستطيع الطبيب تمرير أنبوب التغذية من الأنف أو الفم إلى المعدة، إذ يتوقف الأنبوب في الجزء العلوي من المريء بدلاً من الوصول إلى المعدة، وقد تظهر أعراض تنفسية أو انتفاخ في البطن إذا كان رتق المريء مترافقاً مع ناسور رغامي مريئي، لذلك يحتاج الطفل في هذه الحالة إلى إيقاف الرضاعة فوراً، والقيام بشفط اللعاب، وإجراء تقييم سريع داخل وحدة حديثي الولادة قبل تحديد الخطة الجراحية المناسبة.
كيف يتم تشخيص رتق المريء عند الأطفال؟
يبدأ تشخيص رتق المريء عند الأطفال غالباً من العلامات السريرية التي تظهر بعد الولادة، مثل كثرة اللعاب، أو خروج الرغوة من الفم، أو الشرقة المتكررة، أو السعال أو الزرقة عند محاولة الرضاعة، وعند الاشتباه بالحالة يوقف الطبيب الرضاعة مباشرة، ثم يحاول تمرير أنبوب رفيع من الفم أو الأنف باتجاه المعدة، فإذا توقف الأنبوب في الجزء العلوي من المريء ولم يصل إلى المعدة يصبح الاشتباه برتق المريء قويًا.
بعد ذلك تُجرى صورة أشعة للصدر والبطن مع بقاء الأنبوب في مكانه، فتُظهر الأشعة التفاف الأنبوب داخل الطرف العلوي المسدود من المريء، كما ويساعد وجود الهواء في المعدة أو الأمعاء على الاشتباه بوجود ناسور بين المريء والقصبة الهوائية، بينما قد يدل غياب الهواء في البطن على نوع آخر من الرتق دون ناسور، ويُستكمل التقييم عادة بفحص القلب بالأمواج فوق الصوتية، وتصوير الكلى والعمود الفقري عند الحاجة، لأن بعض الأطفال المصابين برتق المريء قد تكون لديهم تشوهات خلقية مرافقة يجب معرفتها قبل الجراحة.
متى يحتاج الطفل إلى جراحة رتق المريء؟
يحتاج الطفل إلى جراحة رتق المريء بمجرد تأكيد التشخيص غالباً، لأن الرضيع لا يستطيع التغذية بشكل آمن ولا يمكن ترك المريء غير متصل بالمعدة، ولا تعني الحاجة إلى الجراحة أن العملية تُجرى دائماً فوراً خلال دقائق، بل يحدد الفريق الطبي التوقيت المناسب بعد تثبيت حالة الطفل، وإيقاف الرضاعة، وشفط اللعاب المتجمع، ودعم التنفس عند الحاجة، وعلاج أي التهاب رئوي أو اضطراب عام قد يزيد خطورة التخدير.
تكون الجراحة أكثر إلحاحاً عندما يوجد ناسور بين المريء والقصبة الهوائية، لأن هذا الاتصال غير الطبيعي قد يسمح بدخول الهواء إلى المعدة أو رجوع اللعاب والسوائل نحو الرئتين، أما في الحالات المعقدة، مثل انخفاض وزن الطفل الشديد، أو وجود تشوهات قلبية مرافقة، أو وجود فجوة طويلة بين طرفي المريء، فقد يختار الجرّاح خطة مرحلية بدل الإصلاح المباشر، بحيث تتم حماية التنفس والتغذية أولًا ثم يُستكمل إصلاح المريء في الوقت الأنسب لحالة الطفل.
كيف تُجرى جراحة رتق المريء عند الأطفال؟
تُجرى جراحة رتق المريء عند الأطفال داخل غرفة عمليات مجهزة لجراحة حديثي الولادة، ويكون الهدف الأساسي منها إعادة الاتصال بين المريء والمعدة بطريقة تسمح للطفل بالبلع لاحقًا، مع إغلاق أي اتصال غير طبيعي بين المريء والقصبة الهوائية عند وجوده. يختار الجرّاح طريقة الإصلاح بحسب نوع الرتق، طول الفجوة بين طرفي المريء، وزن الطفل، وحالته التنفسية والقلبية قبل العملية.
تحضير الطفل قبل العملية
قبل الجراحة يتم إيقاف الرضاعة بشكل كامل لمنع دخول الحليب أو اللعاب إلى الرئتين، مع وضع أنبوب خاص لشفط الإفرازات المتجمعة في الطرف العلوي من المريء، كما ويحصل الطفل على السوائل والتغذية عبر الوريد، وتتم مراقبة التنفس والأكسجين داخل وحدة حديثي الولادة، خاصة إذا كان لديه التهاب رئوي أو صعوبة تنفسية.
يشمل التحضير أيضاً تقييم القلب والرئتين وباقي الأعضاء قبل التخدير، لأن بعض الأطفال المصابين برتق المريء قد تكون لديهم تشوهات خلقية مرافقة، ويساعد هذا التقييم على تحديد درجة خطورة العملية واختيار التوقيت الأنسب للجراحة.
إغلاق الناسور بين المريء والقصبة الهوائية
في كثير من الحالات يكون رتق المريء مترافقاً مع ناسور رغامي مريئي، أي وجود قناة غير طبيعية تصل بين المريء والقصبة الهوائية. أثناء العملية يقوم الجرّاح بالوصول إلى مكان الناسور، ثم فصله وإغلاقه بدقة لمنع مرور الهواء أو السوائل بين الجهاز الهضمي والجهاز التنفسي.
إغلاق الناسور خطوة مهمة جداً، لأنها تقلل خطر دخول اللعاب أو الحليب إلى الرئتين بعد العملية، كما تمنع انتفاخ المعدة بسبب مرور الهواء من القصبة الهوائية إلى الجهاز الهضمي، لذلك تُعد هذه المرحلة جزءاً أساسيًا من نجاح جراحة رتق المريء عند الأطفال.
توصيل طرفي المريء
بعد التعامل مع الناسور، يحرر الجرّاح الطرف العلوي والطرف السفلي من المريء بلطف، ثم يحاول تقريبهما وخياطتهما معاً إذا كانت المسافة بينهما مناسبة، وتسمى هذه الخطوة بالمفاغرة، وهي المرحلة التي تعيد للمريء استمراريته الطبيعية بين الفم والمعدة.
بعد توصيل طرفي المريء، يحرص الجرّاح على أن يكون الشد على الخياطة قليلاً قدر الإمكان، لأن زيادة الشد قد ترفع احتمال حدوث تسريب أو تضيق لاحقاً. وقد يُترك أنبوب تغذية صغير أحياناً ليساعد في تغذية الطفل خلال الأيام الأولى بعد العملية ريثما يبدأ المريء بالتعافي.

الحالات المعقدة أو طويلة الفجوة
في بعض الأطفال تكون المسافة بين طرفي المريء كبيرة، فلا يمكن وصلهما مباشرة بشكل آمن في العملية الأولى، حيث تُعرف هذه الحالة باسم رتق المريء طويل الفجوة، وقد تحتاج إلى خطة علاجية مرحلية بدل الإصلاح الفوري الكامل.
قد تشمل الخطة المرحلية وضع أنبوب تغذية في المعدة لتأمين التغذية، مع تأجيل توصيل المريء حتى يكبر الطفل أو تتحسن ظروف العملية، وفي حالات محددة قد يحتاج الجرّاح إلى تقنيات إضافية لإطالة المريء أو تعويضه، لكن القرار يعتمد على حالة الطفل وخبرة الفريق الجراحي.
التعافي بعد جراحة رتق المريء عند الأطفال
يحتاج الطفل بعد جراحة رتق المريء إلى البقاء في وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة عدة أيام لمراقبة التنفس، والأكسجين، والحرارة، والألم، وعلامات الالتهاب أو التسريب من مكان توصيل المريء، وفي هذه الفترة لا تبدأ الرضاعة مباشرة عادةً، بل يحصل الطفل على السوائل والتغذية عبر الوريد أو عبر أنبوب تغذية مؤقت بحسب خطة الجرّاح، مع استمرار شفط الإفرازات ومراقبة حركة الصدر والبطن بدقة.
قبل السماح بالرضاعة قد يطلب الطبيب صورة ظليلة للمريء للتأكد من سلامة التوصيل وعدم وجود تسريب، فإذا كانت النتيجة مطمئنة تبدأ التغذية تدريجياً بكميات صغيرة، ثم تزداد حسب قدرة الطفل على البلع والتنفس دون شرقة أو سعال، وبعد الخروج من المستشفى يحتاج الطفل إلى متابعة منتظمة لمراقبة النمو، أو الرضاعة، أو الارتجاع المعدي المريئي، أو حدوث تضيق في مكان الجراحة، إذ قد يحتاج بعض الأطفال لاحقاً إلى توسيع المريء إذا ظهرت صعوبة في البلع.
في الختام، تُعد جراحة رتق المريء عند الأطفال من العمليات الدقيقة التي تهدف إلى إعادة اتصال المريء بالمعدة وحماية الرئتين من دخول اللعاب أو الحليب، ويعتمد نجاحها على التشخيص المبكر، وتثبيت حالة الطفل قبل العملية، واختيار الخطة الجراحية المناسبة، والمتابعة الدقيقة بعد الجراحة لمراقبة الرضاعة والنمو والتنفس، ورغم أن الحالة تكون مقلقة للأهل في الأيام الأولى بعد الولادة، فإن العلاج الجراحي ضمن فريق متخصص في جراحة حديثي الولادة يمنح الطفل فرصة أفضل للتغذية الآمنة والتعافي التدريجي، ويمكن لمركز بيمارستان الطبي مساعدة العائلات في الوصول إلى مراكز مجهزة وفرق جراحية خبيرة لمتابعة الحالة منذ التشخيص وحتى ما بعد العملية.
المصادر:
