يُعد النفاخ الرئوي من الأمراض التنفسية المزمنة التي قد تؤثر بشكل كبير على كفاءة الرئتين والقدرة على ممارسة النشاطات اليومية خاصةً في المراحل المتقدمة من المرض، وعلى الرغم من أن العلاجات الدوائية وإعادة التأهيل الرئوي تساعد في تخفيف الأعراض لدى العديد من المرضى، إلا أن بعض الحالات قد تحتاج إلى خيارات علاجية أكثر تقدماً لتحسين وظيفة الرئة وتقليل شدة ضيق التنفس.
تُعتبر جراحة تصغير حجم الرئة أحد الخيارات العلاجية المستخدمة لدى فئة محددة من المرضى المصابين بالنفاخ الرئوي، حيث تهدف إلى تحسين كفاءة التنفس وجودة الحياة من خلال تقليل تأثير الأجزاء المتضررة من الرئة، ويعتمد نجاح جراحة LVRS على التقييم الدقيق للحالة الصحية ومدى ملاءمة المريض لهذا الإجراء.
ما هو النفاخ الرئوي؟
النفاخ الرئوي هو أحد الأمراض التنفسية المزمنة التي تندرج ضمن مرض الانسداد الرئوي المزمن (COPD)، ويؤثر بشكل أساسي على الحويصلات الهوائية داخل الرئتين. في الحالة الطبيعية تتميز هذه الحويصلات بالمرونة، حيث تتمدد عند الشهيق وتعود لحجمها الطبيعي أثناء الزفير، مما يساعد على تبادل الأوكسجين وثاني أكسيد الكربون بكفاءة. في حالات النفاخ الرئوي تتضرر جدران الحويصلات الهوائية وتفقد مرونتها تدريجياً، وقد تتلف أو تندمج مع بعضها لتشكل فراغات هوائية أكبر وأقل كفاءة، يؤدي ذلك إلى صعوبة خروج الهواء من الرئتين واحتباسه داخلها مما يسبب ضيقاً في التنفس ويقلل من قدرة الجسم على الحصول على الأوكسجين الكافي.
يُعتبر التدخين السبب الأكثر شيوعاً للإصابة بالنفاخ الرئوي، كما يمكن أن تسهم بعض العوامل الأخرى مثل التعرض طويل الأمد للملوثات الهوائية أو بعض الاضطرابات الوراثية النادرة في زيادة خطر الإصابة، ويُعد المرض تدريجياً، أي أنه قد يزداد سوءاً مع مرور الوقت، إلا أن العلاج المناسب يمكن أن يساعد في تخفيف الأعراض وتحسين القدرة على التنفس.
ما هي جراحة تصغير حجم الرئة (LVRS)؟
جراحة تصغير حجم الرئة أو جراحة LVRS هي إجراء جراحي يُستخدم للمساعدة على تحسين التنفس لدى بعض المرضى المصابين بالنفاخ الرئوي الشديد، حيث تعتمد هذه الجراحة على إزالة الأجزاء الأكثر تضرراً من الرئة والتي تسبب احتباس الهواء داخلها، مما يسمح للأجزاء السليمة نسبياً من الرئة بالعمل بكفاءة أفضل.
تساعد جراحة تصغير حجم الرئة على تقليل فرط انتفاخ الرئتين وتخفيف الضغط على الحجاب الحاجز، الأمر الذي قد يسهم في تحسين تدفق الهواء وزيادة كمية الأوكسجين التي تصل إلى الدم، وعادةً لا يتم اللجوء إلى جراحة LVRS إلا بعد تجربة العلاجات الأخرى مثل الأدوية وإعادة التأهيل الرئوي، إضافةً إلى التوقف عن التدخين، كما أن هذا الإجراء لا يُعد علاجاً شافياً للنفاخ الرئوي وإنما وسيلة للمساعدة في تحسين وظائف التنفس لدى بعض الحالات المختارة بعناية.

متى يُنصح بإجراء LVRS لمرضى النفاخ الرئوي؟
لا تُعد جراحة تصغير حجم الرئة مناسبة لجميع مرضى النفاخ الرئوي، وإنما يتم اللجوء إليها لدى فئة محددة من المرضى الذين يعانون من مراحل متقدمة من المرض وتأثيره الكبير على القدرة على التنفس وممارسة النشاطات اليومية رغم استخدام العلاجات الأخرى. تشمل الحالات التي قد تكون مناسبة لإجراء جراحة LVRS ما يلي:
- الإصابة بالنفاخ الرئوي الشديد، خاصةً عندما يكون الضرر أكثر وضوحاً في الأجزاء العلوية من الرئتين
- المعاناة من ضيق نفس شديد رغم استخدام الأدوية والخضوع لإعادة التأهيل الرئوي
- وجود فرط انتفاخ واضح في الرئتين واحتباس للهواء داخلها
- التوقف عن التدخين لمدة لا تقل عن 4 إلى 6 أشهر قبل الجراحة
- القدرة على إكمال برنامج إعادة التأهيل الرئوي قبل العملية وبعدها
- أن يكون المريض ضمن حالة صحية تسمح بإجراء الجراحة بعد التقييم الطبي الشامل
كما قد يتم أخذ عوامل أخرى بعين الاعتبار مثل العمر ومؤشر كتلة الجسم ومدى كفاءة وظائف الرئة، لذلك يحتاج اختيار المرضى المناسبين لهذا الإجراء إلى تقييم دقيق من قبل فريق طبي مختص.
التحضير قبل جراحة تصغير حجم الرئة
يحتاج المرضى إلى تقييم دقيق قبل إجراء جراحة تصغير حجم الرئة للتأكد من ملاءمة الحالة للجراحة وتقليل خطر المضاعفات المحتملة، يشمل هذا التقييم مجموعة من الفحوصات التي تساعد على تحديد شدة النفاخ الرئوي ومدى كفاءة الرئتين والقلب. قد تتضمن الفحوصات قبل جراحة LVRS ما يلي:
- اختبارات وظائف الرئة لقياس كفاءة التنفس وحجم الهواء الداخل والخارج من الرئتين
- التصوير الطبقي المحوري للرئتين لتحديد المناطق الأكثر تضرراً ودرجة احتباس الهواء
- اختبارات الجهد والقدرة على تحمل النشاط البدني
- اختبار غازات الدم الشرياني لتقييم مستوى الأوكسجين وثاني أكسيد الكربون في الدم
- تخطيط القلب الكهربائي والإيكو القلبي لتقييم وظائف القلب
- اختبار المشي لمدة 6 دقائق لتقدير القدرة الوظيفية للمريض
كما يخضع المريض عادةً لتقييم من قبل اختصاصيي الأمراض الصدرية وجراحة الصدر، ويجب اتباع تعليمات الفريق الطبي المتعلقة بالصيام قبل الجراحة والتوقف عن بعض الأدوية عند الحاجة، إضافةً إلى إبلاغ الطبيب بجميع الأدوية والمكملات التي يستخدمها المريض قبل العملية.
كيف يتم إجراء جراحة تصغير حجم الرئة؟
تُجرى جراحة تصغير حجم الرئة تحت التخدير العام، حيث يكون المريض نائماً بالكامل ويتم وصله بجهاز للتنفس أثناء العملية، تهدف الجراحة إلى إزالة الأجزاء الأكثر تضرراً من الرئة لتحسين كفاءة التنفس وتقليل احتباس الهواء داخل الرئتين. تشمل خطوات جراحة LVRS عادةً ما يلي:
- تخدير المريض ووضعه على جهاز التنفس الصناعي
- إجراء شق جراحي واحد أو عدة شقوق للوصول إلى الرئتين بحسب التقنية المستخدمة
- تحديد المناطق الأكثر تضرراً واستئصال أجزاء من أنسجة الرئة المصابة
- إغلاق الأنسجة الرئوية باستخدام أدوات جراحية خاصة للمساعدة على تقليل تسرب الهواء
- وضع أنابيب صدرية لتصريف السوائل والهواء من داخل الصدر بعد العملية
- إغلاق الشقوق الجراحية وتغطيتها بالضمادات المناسبة
تستغرق جراحة تصغير حجم الرئة عادةً ما بين ساعة إلى ثلاث ساعات تقريباً، وقد تختلف مدة العملية بحسب حالة المريض والتقنية الجراحية المستخدمة.
التقنيات المستخدمة في جراحة تصغير حجم الرئة
يمكن إجراء جراحة تصغير حجم الرئة بأكثر من تقنية جراحية بحسب حالة المريض ومدى انتشار الضرر داخل الرئتين، وتشمل التقنيات الأكثر استخداماً ما يلي:
تنظير الصدر بمساعدة الفيديو (VATS)
تُعد تقنية تنظير الصدر من الإجراءات طفيفة التوغل، حيث يقوم الجرّاح بإجراء 3 إلى 5 شقوق صغيرة بين الأضلاع وإدخال كاميرا جراحية وأدوات خاصة للوصول إلى الرئتين واستئصال الأجزاء المتضررة. يساعد هذا الأسلوب على تقليل حجم الشقوق الجراحية مقارنةً بالجراحة المفتوحة.
الجراحة المفتوحة عبر شق القص
في هذه التقنية يتم إجراء شق جراحي في منتصف الصدر عبر عظم القص للوصول إلى الرئتين، تسمح هذه الطريقة للجراح بالوصول إلى كلتا الرئتين من خلال شق واحد، وقد تُستخدم في بعض الحالات التي تحتاج إلى مجال جراحي أوسع.
جراحة تصغير حجم الرئة بالروبوت
يمكن إجراء جراحة LVRS باستخدام الأنظمة الجراحية الروبوتية في بعض المراكز المتخصصة، حيث تسمح الأذرع الروبوتية والكاميرا عالية الدقة للجراح بإجراء العملية بدقة أكبر من خلال شقوق صغيرة، وتُعد الجراحة الروبوتية من التقنيات طفيفة التوغل التي قد تساعد على تحسين التحكم الجراحي وتقليل الرض الجراحي لدى بعض المرضى المختارين.
فوائد جراحة تصغير حجم الرئة
تهدف جراحة تصغير حجم الرئة إلى تحسين كفاءة التنفس لدى المرضى المصابين بالنفاخ الرئوي الشديد من خلال تقليل فرط انتفاخ الرئتين وإزالة الأجزاء الأقل كفاءة في تبادل الغازات، وقد أظهرت الدراسات أن بعض المرضى قد يحققون تحسناً ملحوظاً في القدرة على التنفس والنشاط البدني بعد الجراحة مقارنةً بالعلاج المحافظ وحده. يمكن أن تشمل فوائد جراحة LVRS ما يلي:
- تحسين القدرة على التنفس وتخفيف ضيق النفس
- تحسين وظائف الرئة وتقليل فرط انتفاخها واحتباس الهواء داخلها
- زيادة القدرة على ممارسة النشاطات اليومية والتمارين البدنية
- تحسين كفاءة الحجاب الحاجز وآلية تبادل الغازات داخل الرئتين
- تحسين جودة الحياة وتقليل الضغط على القلب في بعض الحالات
تعتمد درجة الاستفادة من جراحة تصغير حجم الرئة على شدة المرض ومكان توزع الضرر داخل الرئتين والحالة الصحية العامة للمريض، لذلك تختلف النتائج من شخص لآخر.
مخاطر ومضاعفات جراحة تصغير حجم الرئة
كما هو الحال مع أي إجراء جراحي كبير، قد ترتبط جراحة تصغير حجم الرئة ببعض المخاطر والمضاعفات المحتملة، لذلك يتم تقييم المرضى بعناية قبل العملية لتقليل احتمالية حدوثها، وتختلف شدة المضاعفات بحسب الحالة الصحية العامة للمريض ومدى تقدم النفاخ الرئوي. تشمل المضاعفات المحتملة بعد جراحة LVRS ما يلي:
- تسرب الهواء من الرئة بعد الجراحة، ويُعد من أكثر المضاعفات شيوعاً وقد يحتاج إلى بقاء الأنبوب الصدري لفترة أطول
- التهاب الرئة أو حدوث التهابات صدرية أخرى
- انخماص الرئة أو حدوث استرواح صدري في بعض الحالات
- الحاجة إلى جهاز التنفس الصناعي لفترة أطول بعد العملية
- تشكل الجلطات الدموية أو الانصمام الرئوي
- اضطرابات نظم القلب أو النوبة القلبية
- النزف أثناء الجراحة أو بعدها
- تجمع السوائل داخل الصدر
- التهابات الجروح الجراحية
ورغم أن الوفاة بعد جراحة تصغير حجم الرئة تُعد نادرة، إلا أن خطرها قد يكون أعلى لدى المرضى الذين يعانون من أمراض مرافقة شديدة أو ضعف كبير في وظائف الرئة والقلب، لذلك يعتمد تقليل المضاعفات بشكل أساسي على اختيار المرضى المناسبين للجراحة والمتابعة الدقيقة بعد العملية.
التعافي بعد جراحة تصغير حجم الرئة
يحتاج التعافي بعد جراحة تصغير حجم الرئة إلى متابعة طبية دقيقة وبرنامج إعادة تأهيل يساعد المريض على استعادة قدرته على التنفس والحركة تدريجياً، وتختلف مدة التعافي بحسب الحالة الصحية للمريض والتقنية الجراحية المستخدمة ومدى حدوث مضاعفات بعد العملية.
يبقى المريض عادةً في المستشفى لمدة تتراوح بين 3 إلى 10 أيام بعد جراحة LVRS، وقد يحتاج بعض المرضى إلى استخدام جهاز التنفس الصناعي لفترة قصيرة بعد العملية، وخلال فترة الإقامة في المستشفى يعمل الفريق الطبي على تخفيف الألم ومراقبة وظائف الرئة وتشجيع المريض على الحركة المبكرة والمشي التدريجي.
يبدأ برنامج إعادة التأهيل الرئوي خلال الأسابيع الأولى بعد الجراحة ويُعد جزءاً مهماً من مرحلة التعافي، حيث يساعد على تحسين القدرة على التنفس وزيادة تحمل النشاط البدني. كما يحتاج المرضى إلى الالتزام بالمراجعات الدورية واتباع تعليمات الطبيب المتعلقة بالنشاط البدني والأدوية والعناية بعد العملية. قد يشعر بعض المرضى بتحسن في الأعراض وجودة الحياة بعد جراحة تصغير حجم الرئة، ويمكن أن يستمر هذا التحسن لعدة سنوات لدى الحالات المناسبة، إلا أن العملية لا تُعد علاجاً شافياً للنفاخ الرئوي.
في الختام، تُعد جراحة تصغير حجم الرئة أحد الخيارات العلاجية المتقدمة لبعض المرضى المصابين بالنفاخ الرئوي الشديد، حيث يمكن أن تساعد على تحسين القدرة على التنفس وتقليل شدة الأعراض لدى الحالات المناسبة، ويعتمد نجاح جراحة LVRS بشكل كبير على التقييم الدقيق للمريض واختيار التقنية الجراحية المناسبة والمتابعة المستمرة بعد العملية. لذلك يُنصح دائماً بإجراء هذا النوع من الجراحات ضمن مراكز متخصصة تمتلك خبرة في علاج أمراض وجراحات الصدر لضمان أفضل النتائج الممكنة.
المصادر:
- Mishra, A., & Mehta, H. J. (2025). Lung volume reduction surgery. In StatPearls.
- American Lung Association. (n.d.). Lung volume reduction surgery.
- Penn Medicine. (n.d.). Lung volume reduction surgery.
