تُعدّ أورام العين من الحالات النادرة نسبياً مقارنةً ببقية أنواع السرطان، إذ تُسجَّل نحو 850 حالة جديدة سنوياً في المملكة المتحدة، بينما يُشخَّص قرابة 3400 شخص في الولايات المتحدة كل عام. تُصيب هذه الأورام مختلف أجزاء العين أو الأنسجة المحيطة بها، وقد تكون حميدة أو خبيثة بحسب نوع الخلايا التي بدأت فيها. تشمل الأنواع الشائعة الميلانوما العينية وسرطان الخلايا الحرشفية واللمفوما العينية إضافةً إلى ورم الأرومة الشبكية الذي يُصيب الأطفال.
تكتسب أورام العين أهميتها من كونها قد تهدّد الرؤية أو تنتشر إلى أجزاء أخرى من الجسم إن لم تُكتشف مبكراً، لذا يُعد التشخيص والعلاج المبكران من العوامل الحاسمة في حماية البصر والحياة.
ما هي أورام العين؟
تشير أورام العين إلى مجموعة من الأورام النادرة التي تبدأ داخل العين أو في البنى المحيطة بها مثل الجفن والغدة الدمعية والعصب البصري، تنتج هذه الأورام عن تكاثر غير طبيعي للخلايا يؤدي إلى تشكّل كتلة تُعرف بالورم، والتي قد تكون حميدة (غير سرطانية) أو خبيثة (سرطانية)، تتميز الأورام الحميدة بأنها لا تنتشر إلى أجزاء أخرى من الجسم، بينما تمتلك الأورام الخبيثة القدرة على النمو السريع والانتقال عبر الدم أو العقد اللمفاوية. تُسمّى الأورام التي تبدأ داخل العين أورام العين الأولية، أما التي تنتقل من أعضاء أخرى مثل الرئة أو الثدي فتُعرف باسم الأورام الثانوية، وهي أكثر شيوعاً لدى مرضى السرطان المنتشر.
أنواع أورام العين
تُصنّف أورام العين حسب مكان نشأتها ونوع الخلايا التي تتكوّن منها، ويمكن تقسيمها إلى عدة مجموعات رئيسية:
1. الأورام داخل العين
تشمل الأورام التي تنشأ داخل مقلة العين نفسها، ومن أبرزها:
- الميلانوما العينية (Intraocular Melanoma): أكثر أنواع سرطانات العين شيوعاً، تنشأ من خلايا تُسمّى الميلانوسيت، وهي الخلايا المنتجة للصبغة في القزحية والمشيمية والجسم الهدبي
- ميلانوما القزحية: تظهر كبقعة داكنة على القزحية وتنمو ببطء.
- ميلانوما الجسم الهدبي: تنشأ خلف القزحية وتؤثر في العضلات التي تضبط عدسة العين.
- ميلانوما المشيمية: أكثر الأنواع شيوعاً، تظهر في الطبقة الوعائية التي تغذي الشبكية.
كما يمكن أن تظهر ميلانوما نادرة في الملتحمة (Conjunctival Melanoma) وهي أكثر عدوانية رغم ندرتها.
- ورم الأرومة الشبكية: ورم خبيث يصيب الأطفال دون سن الخامسة، ينشأ من خلايا الشبكية في الجزء الخلفي من العين، وغالباً ما يكون وراثياً مرتبطاً بطفرات في جين RB1. يظهر عادة بظاهرة البؤبؤ الأبيض أو الحَوَل.
- اللمفوما داخل العين (Intraocular Lymphoma): نوع نادر من اللمفوما اللاهودجكينية (غالباً من خلايا B) يصيب الأشخاص فوق سن الخمسين أو من لديهم ضعف مناعي، وغالباً ما يترافق مع لمفوما الجهاز العصبي المركزي.
2. أورام محجر العين والملحقات
هي الأورام التي تتكوّن في الأنسجة المحيطة بمقلة العين مثل العضلات والأعصاب والجفن والغدة الدمعية، وتشمل:
- سرطان الخلايا القاعدية: أكثر سرطانات الجفن شيوعاً.
- سرطان الخلايا الحرشفية: يظهر على الجلد أو الملتحمة.
- أورام الغدة الدمعية: تنشأ في الغدة المسؤولة عن إفراز الدموع.
- الورم العضلي المخطط: يصيب العضلات المحيطة بالعين، ويُعد من أكثر أورام العين الخبيثة في الأطفال.

3. الأورام الحميدة في العين
رغم أن بعضها لا يُعد سرطاناً، إلا أنه قد يسبب مشكلات بصرية إذا كان قريباً من البقعة المركزية، مثل:
- الوحمة المشيمية: شبيهة بالشامة داخل العين وغالباً غير خطيرة.
- الورم الوعائي المشيمي: ورم وعائي قد يؤثر في الرؤية عند موقعه الحساس في الشبكية.

أعراض أورام العين
قد لا تظهر أعراض أورام العين في المراحل المبكرة، وغالباً ما تُكتشف أثناء فحص روتيني للعين، لكن مع تطور الورم يمكن أن تظهر مجموعة من العلامات، من أبرزها:
- رؤية ومضات من الضوء أو خطوط متموجة أو بقع عائمة في مجال النظر
- ظهور بقعة داكنة في القزحية أو داخل العين يزداد حجمها مع الوقت
- فقدان البصر الجزئي أو الكلي بشكل غير مؤلم
- تشوش الرؤية أو ضبابيتها المستمرة
- بروز أو انتفاخ في إحدى العينين
- كتلة متنامية على الجفن أو داخل مقلة العين
- تهيج أو احمرار في العين لا يتحسن بالعلاج
- في حالات نادرة، ألم في العين أو حولها
تجدر الإشارة إلى أن هذه الأعراض قد تتشابه مع أمراض عينية بسيطة، لذا يُنصح بمراجعة طبيب العيون فور ظهور أي منها لتحديد السبب بدقة.
أسباب أورام العين
تنشأ أورام العين عندما تبدأ بعض الخلايا داخل العين في الانقسام والنمو بشكل غير منضبط، مما يؤدي إلى تكوّن كتلة تُعرف بالورم، وقد تنتقل هذه الخلايا عبر الدم أو الجهاز اللمفاوي إلى أعضاء أخرى من الجسم. لا تزال الأسباب الدقيقة غير مفهومة تماماً، إلا أن العوامل التالية قد تزيد من خطر الإصابة:
- التقدم في العمر إذ تُشخّص معظم الحالات بعد سن الخمسين
- الاضطرابات الوراثية مثل متلازمة الشامات غير النمطية أو متلازمة الاستعداد للأورام المرتبطة بجين BAP1
- البشرة الفاتحة أو العيون الزرقاء والخضراء
- وجود تاريخ عائلي للإصابة بأورام العين أو الميلانوما
- التعرض الطويل للأشعة فوق البنفسجية من الشمس أو أجهزة التسمير
- ضعف الجهاز المناعي أو الإصابة بأمراض مزمنة تؤثر على المناعة
تُظهر الدراسات أن مزيجاً من هذه العوامل الوراثية والبيئية قد يسهم في زيادة احتمال حدوث أورام العين، مما يجعل الفحص الدوري للعين أمراً ضرورياً للكشف المبكر والوقاية.
تشخيص أورام العين
يُعدّ تشخيص أورام العين خطوة دقيقة تتطلّب تعاون فريق من اختصاصيي طب العيون والأورام، ويهدف إلى التمييز بين الأورام الخبيثة والحالات العينية الحميدة وتحديد مدى انتشار الورم بدقة. يتضمن التشخيص عادة عدداً من المراحل والفحوص الطبية المنظمة على النحو الآتي:
- أخذ التاريخ المرضي والفحص السريري
- يبدأ الطبيب بجمع معلومات مفصلة عن الأعراض التي يعاني منها المريض مثل تغيرات الرؤية أو وجود بقع داكنة أو بروز في العين
- يُسأل المريض عن التاريخ العائلي للأورام أو الأمراض الوراثية المرتبطة بها، والعوامل البيئية مثل التعرض الطويل لأشعة الشمس
- بعد ذلك، يجري الطبيب فحصاً دقيقاً للعين لتقييم شكل المقلة وحركتها وبنيتها الداخلية
- الفحص العيني المتخصص: يستخدم الطبيب أدوات متقدمة لمعاينة العين بتفاصيلها الدقيقة، ومن أهمها:
- منظار العين (Ophthalmoscope): أداة يدوية مزوّدة بعدسات وضوء تمكّن الطبيب من رؤية قاع العين والشبكية والعصب البصري.
- المصباح الشِقي (Slit Lamp): جهاز مثبت على طاولة يسمح بفحص الجزءين الأمامي والخلفي للعين تحت تكبير عالٍ لرصد أي أورام أو تغيرات غير طبيعية.
- قد يلاحظ الطبيب أثناء الفحص وجود بقع داكنة أو أوعية دموية متوسعة أو خلل في حركة المقلة مما يثير الاشتباه بورم داخلي.
- الفحوص التصويرية: تُستخدم وسائل التصوير الطبي لتأكيد وجود الورم وتحديد موقعه وامتداده، وتشمل:
- التصوير بالموجات فوق الصوتية للعين (Ocular Ultrasound): يُظهر حجم الورم وشكله وموقعه بدقة، ويُعدّ أساسياً في تشخيص الميلانوما داخل العين.
- تصوير الأوعية بالفلورسين (Fluorescein Angiography): يتم فيه حقن صبغة خاصة في الوريد لتوضيح الأوعية الدموية داخل العين، ثم تصويرها بكاميرا متخصصة.
- التصوير المقطعي المحوسب (CT) أو التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI): لتقييم مدى انتشار الورم إلى العصب البصري أو الأنسجة المحيطة.
- التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني (PET): يُستخدم في الحالات المتقدمة للكشف عن النقائل البعيدة في الكبد أو الرئتين.
- الخزعة والتحليل النسيجي: في بعض الحالات، قد يلجأ الطبيب لأخذ عينة من الورم لتأكيد التشخيص وتحديد نوع الخلايا:
- خزعة بالإبرة الدقيقة (Fine Needle Aspiration Biopsy): تُستخدم لسحب كمية صغيرة من السوائل أو الخلايا من داخل العين.
- خزعة شقية (Incisional Biopsy): تُزال خلالها قطعة صغيرة من الورم للفحص المجهري.
- خزعة استئصالية (Excisional Biopsy): يُستأصل فيها الورم كاملاً عند الإمكان لإجراء تحليل نسيجي وجيني شامل. تساعد هذه التحاليل على تحديد درجة عدوانية الورم وتوجيه الخطة العلاجية بدقة.
- تحديد مرحلة الورم (Staging): بعد تأكيد التشخيص، تُحدَّد مرحلة الورم لمعرفة مدى تقدّمه باستخدام أحد النظامين الرئيسيين:
- نظام AJCC (TNM):
- T: حجم الورم وامتداده داخل العين أو نحو الأنسجة المجاورة.
- N: انتشار الورم إلى العقد اللمفاوية حول الأذن أو الرقبة.
- M: وجود نقائل في الأعضاء البعيدة، خاصة الكبد.
تُدمج هذه المعايير لتحديد مرحلة السرطان من الأولى (الأقل تقدماً) إلى الرابعة (الأكثر تقدماً).
- نظام COMS: يعتمد على قياس أبعاد الورم بالميليمتر لتصنيفه إلى:
- صغير: ارتفاع بين 1–2.5 مم وعرض 5–16 مم.
- متوسط: ارتفاع بين 2.5–10 مم وعرض حتى 16 مم.
- كبير: ارتفاع يزيد على 10 مم أو عرض يتجاوز 16 مم.
- نظام AJCC (TNM):
يساعد هذا التصنيف على اختيار العلاج الأنسب وتقدير التوقعات المستقبلية للمريض بدقة، إذ إن التشخيص المبكر يلعب دوراً محورياً في الحفاظ على البصر وتقليل خطر انتشار الورم.

علاج أورام العين
يعتمد اختيار طريقة علاج أورام العين على نوع الورم وحجمه وموقعه ومدى انتشاره، إضافة إلى الحالة العامة للمريض وقدرته البصرية. في بعض الحالات التي يكون فيها الورم صغيراً أو بطيء النمو ولا يهدد الرؤية، قد يوصي الطبيب بمراقبة الحالة دورياً دون بدء العلاج الفوري، وذلك لتجنب المضاعفات المحتملة التي قد تؤثر على البصر. أما في الحالات التي تتطلب التدخل العلاجي، فتتوفر عدة خيارات علاجية فعّالة تشمل:
- العلاج الإشعاعي: يُعد من أكثر الأساليب استخداماً لعلاج الميلانوما العينية. يتم إما بزرع قرص صغير مشع بالقرب من الورم (المعالجة الإشعاعية الموضعية أو Brachytherapy)، حيث تُغرس صفيحة دقيقة تطلق جرعات من الإشعاع لتدمير الخلايا السرطانية خلال بضعة أيام، أو بتوجيه حزمة إشعاع خارجية (External Beam Radiation Therapy) نحو الورم دون لمس العين. ويُستخدم أحياناً الإشعاع بالبروتونات لقدرته العالية على استهداف الورم بدقة وتقليل الضرر في الأنسجة السليمة.
- الجراحة: تُجرى الجراحة في حالات الأورام الصغيرة أو الموضعية التي لم تنتشر خارج العين. من الإجراءات الشائعة إزالة جزء من القزحية أو من القزحية والجسم الهدبي معاً، أو استئصال الأورام المشيمية. في الحالات المتقدمة قد تتطلب الجراحة إزالة مقلة العين كاملة مع تركيب عين صناعية مطابقة للعين السليمة. وإذا كان الورم ممتداً إلى الأنسجة المحيطة، يمكن أن يُجرى استئصال أوسع يشمل المقلة وبعض الأنسجة المجاورة.
- العلاج بالليزر: يستخدم الليزر الحراري لتدمير الخلايا الورمية عبر تقنية الترميم الحراري عبر الحدقة (Transpupillary Thermotherapy)، ويمكن تطبيقه منفرداً أو بعد المعالجة الإشعاعية لمنع عودة الورم.
- العلاج المناعي: يعمل على تحفيز جهاز المناعة للتعرف على الخلايا السرطانية ومهاجمتها بشكل أكثر فاعلية، ويُستخدم دواء “Tebentafusp” في بعض حالات الميلانوما العينية المنتشرة أو غير القابلة للجراحة.
- العلاج الموجّه: يعتمد على استهداف الطفرات الجينية المحددة داخل الخلايا الورمية مثل طفرات جين BRAF، وهو علاج أكثر دقة وأقل تأثيراً على الخلايا السليمة.
- العلاج الكيميائي: لا يُستخدم بشكل شائع في أورام العين، لكنه يُلجأ إليه في حال فشل العلاجات الأخرى أو عند انتشار الورم إلى أعضاء بعيدة.
قد تختلف الآثار الجانبية للعلاج حسب نوع الإجراء المستخدم، وتشمل أحياناً ضعف الرؤية أو فقدانها الجزئي، لذلك يوازن الطبيب بين فاعلية العلاج والحفاظ على أكبر قدر ممكن من الوظيفة البصرية.
التأقلم بعد علاج أورام العين
يُعدّ الدعم النفسي والتأهيل البصري جزءاً مهماً من رحلة التعافي بعد علاج أورام العين. بعد العمليات الجراحية الكبرى كاستئصال العين، يُزوَّد المريض بعين صناعية تتحرك بشكل قريب من الطبيعي لتحسين المظهر الخارجي. يُساعد العلاج التأهيلي البصري في تدريب المريض على التكيف مع التغيرات في الرؤية واستخدام العين السليمة بكفاءة أكبر. كما يُنصح بالمتابعة الدورية مع طبيب العيون والأورام لاكتشاف أي علامات لعودة الورم أو مضاعفات متأخرة. الدعم الأسري والنفسي يساهم أيضاً في تقليل القلق وتحسين جودة الحياة.
الوقاية من أورام العين
رغم أن الوقاية الكاملة من أورام العين غير ممكنة، إلا أن بعض الإجراءات قد تقلل من خطر الإصابة وتساعد في الكشف المبكر، وتشمل:
- إجراء فحوص دورية للعين مرة واحدة على الأقل سنوياً خاصة لمن تجاوزوا سن الخمسين أو لديهم تاريخ عائلي للمرض
- ارتداء نظارات شمسية تحجب الأشعة فوق البنفسجية عند التعرض لأشعة الشمس المباشرة
- تجنب استخدام أجهزة التسمير الصناعية قدر الإمكان
- مراجعة الطبيب فور ملاحظة أي تغير في لون القزحية أو شكل العين أو تراجع في الرؤية
- الحفاظ على نمط حياة صحي يقي من ضعف المناعة ويساعد في الوقاية من التحولات الخلوية الضارة
يمثل التشخيص والعلاج المبكران العامل الأهم في تحسين فرص الشفاء والحفاظ على البصر، فيما توفر المراكز الطبية المتقدمة مثل مركز بيمارستان في تركيا رعاية متكاملة تشمل أحدث تقنيات العلاج الإشعاعي والجراحي بإشراف نخبة من أطباء العيون والأورام
تُعد أورام العين من الأمراض النادرة ولكنها قد تؤثر بشكل كبير على الرؤية وجودة الحياة إذا لم تُكتشف مبكراً. إنّ التشخيص المبكر والمتابعة المنتظمة مع طبيب مختص يرفعان من فرص السيطرة على المرض مع الحفاظ على البصر قدر الإمكان. ومع التقدم في التقنيات الجراحية والعلاجية، أصبح بالإمكان علاج معظم الحالات بطرق دقيقة وآمنة في مراكز متخصصة مثل مركز بيمارستان الطبي في تركيا، الذي يوفّر للمرضى رعاية شاملة بإشراف خبراء طب العيون والأورام وباستخدام أحدث الوسائل التشخيصية والعلاجية.
المصادر:
- Moorfields Eye Hospital NHS Foundation Trust. (2024). Eye cancer (ocular melanoma).
- University Hospital Southampton NHS Foundation Trust. (2023). Eye (ocular) cancer: Diagnosis and treatment.
- Johns Hopkins Medicine, Wilmer Eye Institute. (2023). Treatment of Tumors in the Eye.
- National Health Service (NHS). (2024). Eye cancer.
