يُعد داء كرون من الأمراض الالتهابية المزمنة التي تصيب الجهاز الهضمي، وغالبًا ما يمكن السيطرة على أعراضه في المراحل المبكرة بالعلاج الدوائي والمتابعة المنتظمة. إلا أن استمرار الالتهاب أو تطوّر المرض لدى بعض المرضى قد يؤدي إلى مضاعفات بنيوية في الأمعاء، مثل التضيّق أو الانسداد أو تشكّل النواسير، مما يجعل جراحة داء كرون خيارًا علاجيًا ضروريًا في مراحل معينة من المرض.
في هذا المقال، نستعرض متى تكون جراحة داء كرون مطلوبة، وأنواع العمليات الجراحية المتاحة، وأهداف التدخل الجراحي، إضافة إلى النتائج المتوقعة والمخاطر المحتملة، وذلك بأسلوب طبي مبسّط يساعد المريض على فهم خياراته العلاجية بشكل واضح.
ما هو داء كرون؟
داء كرون هو مرض مناعي ذاتي مزمن يُصنَّف ضمن أمراض الأمعاء الالتهابية، ويُسبب التهابًا وتهيّجًا متكررًا في الجهاز الهضمي، خاصة الأمعاء الدقيقة وبداية القولون، مع إمكانية إصابة أي جزء من القناة الهضمية. يظهر المرض على شكل نوبات من النشاط والهدوء، مما يؤثر بشكل مباشر على نوعية حياة المريض.
تتضمن الأعراض الشائعة آلام البطن، الإسهال المزمن، فقدان الوزن، والتعب العام، وقد تختلف شدتها من شخص لآخر. ورغم أن داء كرون لا يُشفى بشكل نهائي، إلا أن العلاجات المتوفرة، سواء الدوائية أو الجراحية، تلعب دورًا مهمًا في السيطرة على الأعراض وتقليل المضاعفات وتحسين القدرة على ممارسة الحياة اليومية. وفي بعض الحالات، قد تصبح جراحة داء كرون ضرورية عند فشل العلاج الدوائي أو حدوث مضاعفات.

ما هي أسباب وأعراض داء كرون؟
تنشأ الحاجة إلى جراحة داء كرون عادة نتيجة التقدّم التدريجي للمرض وظهور مضاعفات ناجمة عن الالتهاب المزمن والمستمر في جدار الأمعاء. ويُعتقد أن داء كرون يحدث نتيجة تفاعل معقّد بين اضطراب في الجهاز المناعي، وعوامل وراثية، ومحفزات بيئية، حيث يهاجم الجهاز المناعي بطانة الجهاز الهضمي مسببًا التهابًا طويل الأمد. ومع مرور الوقت، قد يؤدي هذا الالتهاب إلى تليّف الأنسجة وتضيّق مجرى الأمعاء، أو إلى تشكّل نواسير وخراجات بين الأمعاء والأعضاء المجاورة، كما قد يسبب انسدادًا معويًا لا يستجيب للعلاج الدوائي المحافظ.
وتتطوّر الأعراض غالبًا بشكل تدريجي، إذ يعاني المريض من آلام متكررة في البطن، إسهال مزمن، نقص ملحوظ في الوزن، وشعور دائم بالتعب والإرهاق. وفي المراحل المتقدمة، قد تتفاقم الحالة لتشمل نزفًا معويًا أو أعراض انسداد واضحة مثل الانتفاخ الشديد، الغثيان، والقيء، وهي علامات تستدعي تقييمًا طبيًا عاجلًا وقد تجعل التدخل الجراحي خيارًا علاجيًا ضروريًا.
متى تكون جراحة داء كرون ضرورية؟
يحتاج مريض داء كرون إلى الجراحة في الحالات التالية:
- علامات الالتهاب المتكرر أو الخراج: مثل الحمى والتعب والإرهاق المزمن.
- تضيق الأمعاء: يظهر من خلال ألم بطني شديد أو قيء أو صعوبة في إخراج الغازات.
- انسداد معوي محتمل: يترافق مع إمساك وغثيان وتقيؤ مستمر.
- نزيف مزمن: مثل وجود دم في البراز بشكل متكرر.
- سوء التغذية أو فقدان الوزن الحاد: فقدان وزن غير مبرر أو ضعف عام.
- فشل العلاج الدوائي: استمرار الإسهال أو الحمى أو أعراض أخرى رغم تناول الأدوية.
ما أهداف جراحة داء كرون؟
تهدف جراحة داء كرون إلى علاج المضاعفات الناتجة عن المرض وتحسين نوعية حياة المريض، دون اعتبارها علاجًا نهائيًا للمرض نفسه. وتشمل الأهداف الرئيسية للجراحة إزالة أو تجاوز الأجزاء المتضررة من الأمعاء، تخفيف الانسداد المعوي، معالجة النواسير والخراجات، والسيطرة على النزف أو الالتهاب غير المستجيب للعلاج الدوائي. كما تسعى الجراحة إلى تقليل شدة الأعراض المزمنة، مثل الألم والإسهال، وتمكين المريض من العودة إلى نمط حياة أكثر استقرارًا مع الحفاظ قدر الإمكان على طول ووظيفة الأمعاء.
أنواع جراحة داء كرون
تختلف أنواع جراحة داء كرون باختلاف موضع الإصابة في الجهاز الهضمي، وشدة الالتهاب، والمضاعفات الناتجة عن المرض. ففي الحالات التي يكون فيها جزء من الأمعاء متضررًا بشكل شديد أو يسبب انسدادًا متكررًا، يتم اللجوء بشكل شائع إلى استئصال الأمعاء المصابة وإعادة وصل الأجزاء السليمة، بهدف إزالة المنطقة المريضة وتحسين مرور محتويات الأمعاء.
أما في الحالات التي يتركّز فيها الضرر على شكل تضيّق في مجرى الأمعاء دون تلف واسع في الأنسجة، فيُفضَّل إجراء توسيع التضيق المعوي، وهو إجراء يهدف إلى توسيع الجزء المتضيّق مع الحفاظ على طول الأمعاء. وتُعد تقنية Heineke–Mikulicz Stricturoplasty من أكثر التقنيات استخدامًا في هذا النوع من الجراحة، خاصة في التضيّقات القصيرة، حيث يتم شق الأمعاء طوليًا ثم إغلاقها بشكل عرضي لتوسيع القطر الداخلي.
وفي حال تشكّل نواسير أو خراجات نتيجة الالتهاب المزمن، قد تكون الجراحة ضرورية لمعالجتها ومنع تكرار العدوى أو المضاعفات. كما تُجرى الجراحة الطارئة في الحالات الخطيرة مثل الانسداد المعوي الكامل، النزف الشديد، أو انثقاب الأمعاء، والتي تتطلب تدخلًا فوريًا للحفاظ على سلامة المريض.
جراحة داء كرون بالمنظار
تُعد جراحة داء كرون بالمنظار خيارًا جراحيًا متقدمًا يُستخدم في العديد من حالات داء كرون، خاصة عند الحاجة إلى استئصال جزء متضرر من الأمعاء أو علاج مضاعفات محددة، مع تقليل الرضّ الجراحي مقارنة بالجراحة التقليدية. تُجرى العملية من خلال شقوق صغيرة في جدار البطن باستخدام كاميرا وأدوات جراحية دقيقة، مما يسمح للجراح برؤية الأنسجة المصابة والتعامل معها بدقة عالية.
تُناسب الجراحة بالمنظار الحالات المستقرة نسبيًا والتي لا تتطلب تدخلًا طارئًا واسعًا، وتُساهم في تقليل الألم بعد العملية، وتسريع فترة التعافي، وخفض خطر الالتصاقات المعوية بعد الجراحة. ويعتمد قرار إجراء جراحة داء كرون بالمنظار على تقييم شامل لحالة المريض، ومدى انتشار الالتهاب، ووجود مضاعفات مثل النواسير أو الخراجات.
مخاطر جراحة داء كرون ومضاعفاتها المحتملة
على الرغم من أن جراحة داء كرون تُعد ضرورية وفعّالة في علاج مضاعفات المرض، إلا أنها، كغيرها من العمليات الجراحية، قد ترتبط ببعض المخاطر والمضاعفات المحتملة، والتي تختلف حسب نوع الجراحة وحالة المريض الصحية. ما يلي مضاعفات جراحة داء كرون:
- مضاعفات جراحية مباشرة: تشمل المضاعفات التي قد تحدث أثناء أو مباشرةً بعد العملية، مثل النزف الذي قد يحدث خلال العملية أو بعدها وتسريب التوصيل (بين طرفي الأمعاء) و الشلل المعوي المؤقت.
- مضاعفات معدية: ترتبط بحدوث التهابات بعد الجراحة، وتشمل العدوى البكتيرية و الخراجات.
- مضاعفات ميكانيكية وهيكلية: تكون ناتجة عن تغيرات في البنية التشريحية للأمعاء، مثل التصاقات الأمعاء و انسداد الأمعاء ومضاعفات الفغر (Stoma Complications) كالتسريب أو صعوبة التكيف مع الكيس.
- مضاعفات غذائية واستقلابية: تؤثر على امتصاص العناصر الغذائية أو توازن الجسم، مثل نقص فيتامين B12 وسوء الامتصاص خاصةً إذا تم استئصال أجزاء واسعة من الأمعاء الدقيقة.
مدة التعافي بعد جراحة داء كرون
تختلف مدة التعافي بعد جراحة داء كرون حسب نوع التدخل الجراحي، ومدى انتشار المرض، والحالة الصحية العامة للمريض. في حال إجراء الجراحة بالمنظار، غالبًا ما تكون فترة التعافي أقصر، حيث تتراوح مدة الإقامة في المستشفى بين 3 إلى 5 أيام، ويمكن للمريض العودة تدريجيًا إلى أنشطته اليومية خلال 2 إلى 4 أسابيع مع الالتزام بالتعليمات الطبية.
أما في الجراحة التقليدية (فتح البطن)، فقد تمتد فترة الإقامة في المستشفى إلى 5–7 أيام أو أكثر، وقد يحتاج المريض إلى 4–6 أسابيع للعودة إلى نشاطه الطبيعي بشكل كامل. وتشمل مرحلة التعافي الالتزام بنظام غذائي مناسب، وتجنّب المجهود البدني الشديد، والمتابعة الطبية المنتظمة لتقليل خطر المضاعفات أو عودة الأعراض.
نسبة نجاح جراحة داء كرون
تُعد جراحة داء كرون فعّالة في علاج مضاعفات المرض وتحسين جودة حياة المرضى، حيث تُحقق نسب نجاح مرتفعة في تخفيف الأعراض مثل الألم والانسداد المعوي. إلا أن الجراحة لا تُعد علاجًا نهائيًا للمرض، إذ يمكن أن يعود داء كرون في أجزاء أخرى من الأمعاء مع مرور الوقت.
تعتمد نسبة نجاح جراحة داء كرون على عدة عوامل، من بينها نوع الجراحة، ومدى الالتزام بالعلاج الدوائي بعد العملية، ووجود عوامل خطر مثل التدخين. ويساعد المتابعة الطبية المنتظمة والعلاج الوقائي بعد الجراحة على تقليل احتمالية عودة المرض وتحقيق نتائج طويلة الأمد.
نتائج جراحة داء كرون وتأثيرها على الحياة اليومية
- تحسن الأعراض مثل الألم والإسهال والتعب، مما يؤدي إلى تحسين ملحوظ في نوعية الحياة.
- تقليل الاعتماد على الأدوية البيولوجية أو الستيرويدات بعد الجراحة، مع تحسن الشهية والطاقة.
- مع أن الجراحة تخفف الأعراض إلا أن هناك نسبة تصل إلى حوالي 20% من المرضى قد تعود لديهم الأعراض خلال خمس سنوات، وقد يحتاجون إلى جراحة إضافية.
الرعاية بعد جراحة داء كرون ودور التغذية
- تبدأ الرعاية بعد الجراحة بمرحلة الإفاقة في وحدة العناية تليها المراقبة في قسم الجراحة
- تُستخدم عدة مسكنات لتخفيف الألم ويُشجع المريض على الحركة المبكرة لتقليل خطر المضاعفات
- التغذية تبدأ تدريجياً بسوائل ثم نظام قليل الألياف حسب الحالة
- يجب الحفاظ على الترطيب الجيد خصوصاً في حال إزالة القولون
- يُتابع الفريق الطبي الحالة لمراقبة أي علامات لعودة الالتهاب أو المضاعفات
- تلعب التغذية دوراً مهماً في تسريع الشفاء وتحسين الامتصاص خصوصاً بعد استئصال جزء من الأمعاء الدقيقة
- المتابعة المنتظمة ضرورية لضمان تعافٍ سليم وتكيّف مع التغيرات
في الختام، تُعد جراحة داء كرون خيارًا علاجيًا مهمًا عند فشل العلاج الدوائي أو ظهور مضاعفات تهدد صحة المريض، حيث تهدف إلى تخفيف الأعراض، ومعالجة الانسداد والمضاعفات، وتحسين جودة الحياة. ويعتمد نجاح الجراحة على التشخيص الدقيق، واختيار التوقيت والتقنية الجراحية المناسبة، إضافة إلى المتابعة الطبية المنتظمة والالتزام بالعلاج بعد العملية. إن الفهم الجيد لطبيعة المرض وخياراته العلاجية يُساعد المريض على اتخاذ قرار واعٍ ومبني على أسس طبية سليمة.
المصادر:
- Meima-van Praag EM, Buskens CJ, Hompes R, Bemelman WA. Surgical management of Crohn’s disease: a state of the art review. Int J Colorectal Dis. 2021 Jun;36(6):1133-1145
- Seifarth C, Kreis ME, Gröne J. Indications and Specific Surgical Techniques in Crohn’s Disease. Viszeralmedizin. 2015 Aug;31(4):273-9
- Adamina M, Minozzi S, Warusavitarne J, Buskens CJ, Chaparro M, Verstockt B, Kopylov U, Yanai H, Vavricka SR, Sigall-Boneh R, Sica GS, Reenaers C, Peros G, Papamichael K, Noor N, Moran GW, Maaser C, Luglio G, Kotze PG, Kobayashi T, Karmiris K, Kapizioni C, Iqbal N, Iacucci M, Holubar S, Hanzel J, Sabino JG, Gisbert JP, Fiorino G, Fidalgo C, Ellu P, El-Hussuna A, de Groof J, Czuber-Dochan W, Casanova MJ, Burisch J, Brown SR, Bislenghi G, Bettenworth D, Battat R, Atreya R, Allocca M, Agrawal M, Raine T, Gordon H, Myrelid P. ECCO Guidelines on Therapeutics in Crohn’s Disease: Surgical Treatment. J Crohns Colitis. 2024 Oct 15;18(10):1556-1582
- Shaffer VO, Wexner SD. Surgical management of Crohn’s disease. Langenbecks Arch Surg. 2013 Jan;398(1):13-27
- Crohn’s & Colitis UK. (2024). Surgery for Crohn’s disease. Crohn’s & Colitis UK
- MedlinePlus. (n.d.). Crohn’s disease. U.S. National Library of Medicine
