يُعد التخثير الشعاعي (Radiofrequency Ablation – RFA) من التقنيات العلاجية المتقدمة التي تعتمد على استخدام موجات التردد الراديوي لإنتاج حرارة عالية قادرة على تدمير الخلايا السرطانية أو المتضخمة بشكل انتقائي ودقيق. يتم إدخال مسبار رفيع إلى داخل الورم تحت توجيه وسائل التصوير الحديثة، ثم تُحوَّل طاقة التردد الراديوي إلى حرارة موضعية تؤدي إلى تخثر الخلايا وموتها دون إحداث ضرر كبير بالأنسجة السليمة. وقد أثبتت هذه التقنية فاعليتها في علاج أورام الكبد، والرئة، والكلى، والعظام، بالإضافة إلى دورها في تسكين الألم الناتج عن الأورام المتقدمة. وتمتاز بأنها طفيفة التوغل، سريعة التنفيذ، وقليلة المضاعفات مقارنة بالجراحة التقليدية.
ما هو التخثير الشعاعي؟
يُعد التخثير الشعاعي، أو ما يُعرف بالعلاج الشعاعي الداخلي الانتقائي، أحد أحدث تقنيات علاج السرطان ضمن مجال الأشعة التداخلية، حيث يقوم هذا العلاج على إدخال جزيئات مجهرية مشعة (Microspheres) عبر قثطار داخل الأوعية الدموية المغذية للورم، بحيث تعمل هذه الجزيئات على أمرين في الوقت نفسه:
- إغلاق الأوعية المغذية للورم (الإصمام)
- تحرير إشعاعات موضعية تدمّر الخلايا السرطانية بشكل انتقائي
وتبقى الجزيئات المشعة مستقرة داخل الورم، حيث تطلق إشعاعات مستمرة تؤدي إلى تقليص حجمه وقتل الخلايا الورمية. وقد شهدت هذه التقنية تطورًا كبيرًا في تركيا في السنوات الأخيرة، وحققت نتائج مشجعة في علاج الأورام المستعصية.
ميزات التخثير الشعاعي مقارنة بالعلاج الشعاعي التقليدي
يختلف التخثير الشعاعي عن العلاج الشعاعي الخارجي اختلافًا جوهريًا؛ ففي حين تُوجه الأشعة من خارج الجسم باتجاه الورم، فإن التخثير الشعاعي يضع المصدر المشع مباشرة داخل الجسم بالقرب من الورم أو داخله، مما يمنحه عدة ميزات:
- تعريض أقل للأنسجة السليمة للإشعاع
- إمكانية استخدام جرعات أعلى من الإشعاع بأمان أكبر
- فعالية أكبر في تقليص الأورام
- عدم الحاجة إلى شق جراحي (إجراء تداخلي عبر قثطار فقط)
- مفيد للمرضى غير المؤهلين للجراحة أو لعلاج الكيميائي
- إمكانية تحسين مدة بقاء المرضى على قيد الحياة في بعض الحالات
ويمتاز العلاج بأنه خيار مناسب للمرضى كبار السن أو المصابين بأمراض تمنعهم من تلقي علاجات أكثر شدة.
الحالات التي يُستخدم فيها التخثير الشعاعي
يُستخدم التخثير الشعاعي بشكل أساسي في علاج:
- سرطان الكبد البدئي (HCC)
- النقائل الكبدية من سرطانات الكولون والمستقيم
- سرطانات الطرق الصفراوية
- سرطان الثدي والرئة عند وجود نقائل كبدية
- أورام الغدد الصماء
وقد أثبتت الدراسات فعاليته في الأورام الكبدية المتقدمة سواء كانت أولية أو نقائلية، وخصوصًا لدى المرضى غير المستجيبين للعلاج الكيميائي أو غير المؤهلين للجراحة.
الحالات غير المؤهلة للعلاج
قد لا يناسب العلاج المرضى الذين لديهم:
- مرض كبدي شديد
- تدفق دم غير طبيعي بين الكبد والرئتين (Shunting)
- فشل كلوي حاد
التحضيرات قبل إجراء التخثير الشعاعي في تركيا
قبل البدء بالعلاج يجب إجراء مجموعة من الفحوص:
1. الفحوص الصورية
- تصوير مقطعي محوسب CT لتحديد مكان الورم وحجمه
- تصوير وعائي بالتباين لتحديد الشرايين المغذية للورم وعدم وجود تواصل شرياني غير طبيعي
تقنية تصوير الأوعية بالطرح الرقمي DSA
يُعَدّ تصوير الأوعية بالطرح الرقمي (DSA) خطوة جوهرية في التخطيط لإجراء التخثير الشعاعي، إذ يوفّر صورًا عالية الدقة للتشريح الوعائي ويُمكّن الطبيب من تحديد الشرايين المغذية للورم بدقة فائقة. كما يساعد في كشف الفروع الوعائية الجانبية غير المرغوبة التي قد تُسهم في انتقال الجزيئات المشعة إلى أعضاء سليمة مثل المعدة أو الأمعاء، إضافة إلى دوره الأساسي في تقييم وجود تحويلات وعائية (Shunts) بين الكبد والرئتين. ويساهم هذا التقييم في ضبط الجرعة الإشعاعية وتجنب المضاعفات الرئوية، مما يجعل DSA خطوة لا غنى عنها لضمان نجاح العلاج وسلامته.
2. الفحوص المخبرية
- تعداد دم كامل (CBC)
- تقييم وظائف الكبد والكلية
- تقييم شلال التخثر (عوامل التخثر)
3. التقييم السريري
- مناقشة التاريخ المرضي
- التأكد من عدم وجود حمل
- تقييم الأدوية المستخدمة وخاصة مضادات التخثر
خلال التصوير الوعائي الأولي، يقوم الطبيب بسد فروع الشرايين غير المرغوبة لمنع انتقال الجزيئات المشعة إلى الأنسجة السليمة.

كيفية إجراء التخثير الشعاعي في تركيا
قبل البدء بالحقن العلاجي، يقوم اختصاصي الأشعة التداخلية بإغلاق الفروع الوعائية غير المرغوبة التي قد تنقل الجزيئات المشعة إلى أعضاء سليمة مثل المعدة أو البنكرياس أو الاثني عشر. ويتم ذلك باستخدام مواد انصمام صغيرة أو لفائف معدنية دقيقة تهدف إلى منع تسرب الجزيئات المشعة خارج الورم. وتُعد هذه الخطوة ضرورية لحماية الأنسجة السليمة وضمان أن يتركز تأثير العلاج داخل الورم فقط.
تُجرى العملية عادة بعد أسبوع إلى عشرة أيام من التصوير الوعائي الأولي، وتتم كما يلي:
- إدخال القثطار عبر أحد الشرايين (غالبًا الفخذي أو الكعبري).
- توجيه القثطار حتى الوصول إلى الشريان المغذي للورم.
- حقن الجزيئات المجهرية المشعة Yttrium-90 (Y-90).
- تستقر الجزيئات داخل الورم وتبدأ بتحرير الإشعاع خلال أسبوعين.
- سحب القثطار وتضميد موقع الدخول.
تستغرق العملية بين 60–120 دقيقة، وفي حال استخدام الشريان الفخذي قد يحتاج المريض للبقاء ليلة في المستشفى للمراقبة.

فوائد التخثير الشعاعي للمرضى
- إجراء غير جراحي وغير مؤلم تقريباً
- إمكانية تكراره عند الحاجة
- نتائج أفضل في الأورام الكبدية مقارنة بالعلاجات التقليدية
- يساعد على تقليل حجم الورم وتثبيط نموه
- إمكانية تحسين جودة الحياة وإطالة البقاء في حالات مختارة
ما هي المخاطر والأعراض الجانبية بعد عملية التخثير الشعاعي؟
يُعد التخثير الشعاعي (Radioembolization) إجراءً آمنًا بشكل عام، ولا تظهر لدى معظم المرضى أعراض شديدة بعد العلاج. ومع ذلك، فإن بقاء الجزيئات المشعة —خصوصاً نظير الإيتريوم Yttrium-90— داخل الجسم قد يؤدي إلى بعض الأعراض الجانبية المرتبطة بالمعالجة الإشعاعية الداخلية. وغالباً ما تكون هذه الأعراض مؤقتة وخفيفة إلى متوسطة الشدة، وتشمل:
- حمّى خفيفة
- عرواءات (إحساس بالبرد والقشعريرة)
- ألم بطني متفاوت الشدة
- إسهال
- غثيان وتقيؤ ودوار ضمن ما يسمى متلازمة ما بعد الإصمام (Post-embolization syndrome)
- شعور بالتعب والإرهاق
- التهاب المثانة
- التهاب الكبد الإشعاعي عند بعض المرضى
- أذية رئوية في حال وجود وصلة دموية بين الكبد والرئتين (في حال عدم اكتشافها أثناء التحضير)
تُعد هذه الأعراض في معظم الحالات عابرة، وتتحسّن خلال أيام إلى أسابيع مع العلاج الداعم والمراقبة الطبية.
الحماية من الإشعاع بعد عملية التخثير الشعاعي في تركيا
نظرًا لوجود كمية صغيرة من المواد المشعة داخل جسم المريض بعد العلاج، ينبغي اتخاذ بعض الاحتياطات لحماية أفراد العائلة والمحيطين. يقوم الطبيب أو فريق الأشعة التداخلية بتزويد المريض بإرشادات محددة لتقليل التعرض غير الضروري للإشعاع، والتي قد تشمل:
- تجنب الاقتراب الشديد لفترات طويلة من الأطفال والحوامل خلال الأيام الأولى
- المحافظة على النظافة الشخصية بشكل جيد
- التخلص الآمن من السوائل الجسدية (البول – البراز – القيء) حسب توجيهات الطبيب
- الالتزام بزيارات المتابعة والتصوير لتقييم وضع الجزيئات المشعة
تكون كمية الإشعاع المتبقية محدودة للغاية ولا تشكل خطراً كبيراً، لكن اتباع التعليمات يضمن الحماية الكاملة للمريض ولأسرته.
ختاماً، يمثل التخثير الشعاعي خطوة مهمة في مجال علاج الأورام قليلة الحجم أو الواقعة في مناطق يصعب الوصول إليها بالجراحة التقليدية. وقد أثبتت التجارب السريرية أن هذه التقنية تمنح المرضى نتائج فعّالة مع معدلات أمان مرتفعة وفترة تعافٍ قصيرة. وبفضل الدقة العالية التي توفرها أنظمة التوجيه الشعاعي، أصبح التخثير الشعاعي خياراً علاجياً معتمداً في مراكز الأورام المتقدمة، سواء بهدف السيطرة على الورم أو تخفيف الألم وتحسين جودة الحياة. ومع التطور المستمر في التكنولوجيا الطبية، يزداد دور هذه التقنية كحل فعّال وآمن ضمن الخطط العلاجية المتكاملة لأمراض السرطان.
المصادر:
- National Cancer Institute. (n.d.). Radioembolization. In NCI Dictionary of Cancer Terms. U.S. Department of Health and Human Services.
- Mansur, A. (2024). New frontiers in radioembolization. Therapeutic Advances in Medical Oncology
