تُعد سرطانات الرئة من أكثر الأورام الخبيثة تعقيداً من حيث الأعراض والتشخيص، إذ لا تتشابه جميعها في طريقة الظهور أو نمط الشكاوى السريرية، فبينما تبدأ بعض الأورام بأعراض تنفسية واضحة، قد تظهر أنواع أخرى بعلامات غير متوقعةٍ تتعلق بالجهاز العصبي أو الألم الموضعي. في هذا السياق، يبرز ورم بانكوست كأحد أشكال سرطان الرئة التي تتميّز بموقع خاص في قمة الرئة، ما ينعكس على طبيعة أعراضه ومسار تشخيصه وعلاجه.
ما هو ورم بانكوست؟
ورم بانكوست هو أحد أشكال سرطان الرئة غير صغير الخلايا في أغلب الحالات، ويتموضع في قمة الرئة بدلًا من المناطق المركزية المعتادة، يتميّز هذا الورم بامتداده المبكر إلى البنى المجاورة لقمة الصدر، مثل الجدار الصدري العلوي، والأضلاع الأولى، والضفيرة العصبية، وقد يصل إلى الفقرات العنقية أو الصدرية العلوية، إضافةً إلى الأوعية تحت الترقوة.
لا يُصنّف أي ورم يقع في قمة الرئة تلقائيًا كورم بانكوست، إذ يشترط أن يكون ترافقه مع غزو موضعي للبنى المجاورة يؤدي إلى أعراض سريرية مميزة، لا سيما العصبية منها أو الألم الشديد في الكتف والذراع.
لماذا يُعد ورم بانكوست مختلفاً عن باقي سرطانات الرئة؟
لا يختلف ورم بانكوست عن بقية سرطانات الرئة من حيث النوع النسيجي، إذ يُعد في معظم الحالات شكلاً من سرطان الرئة غير صغير الخلايا، إلا أن ما يجعله مميزاً هو موقعه التشريحي في قمة الرئة، هذا الموقع يضع الورم على تماس مباشر مع أعصاب وأوعية دموية وبنى صدرية حساسة، ما يؤدي إلى نمط تظاهر سريري مختلف عن الأورام الرئوية الأخرى، ونتيجةً لذلك قد تكون الأعراض الأولى غير تنفسية، كما يواجه التشخيص والتدخل الجراحي تحديات خاصة بسبب تعقيد المنطقة المصابة مقارنةً ببقية أجزاء الرئة.
أسباب وعوامل الخطورة لورم بانكوست
تتشابه أسباب وعوامل الخطورة لورم بانكوست مع العوامل المرتبطة بسرطان الرئة بشكلٍ عام، إذ لا يُعد هذا الورم كياناً مختلفاً من حيث المسببات، وإنما يختلف أساساُ في موقعه التشريحي.
يُعد التدخين العامل الأكثر أهمية، حيث يُعتبر السبب الرئيسي لمعظم حالات سرطان الرئة، بما في ذلك ورم بانكوست، كما أن التعرض للتدخين السلبي يزيد من خطر الإصابة بسرطان الرئة بشكلٍ ملحوظ، خصوصًا عند العيش لفتراتٍ طويلة مع أشخاصٍ مدخنين، وقد يُسهم استخدام السجائر الإلكترونية (التدخين الإلكتروني) في زيادة خطر الإصابة بسرطان الرئة، رغم أن الآليات الدقيقة لذلك لا تزال غير مفهومةٍ بالكامل، ولا تتوفر حتى الآن بيانات كافية تحدد مستوى الخطورة بدقة، وتكمن الخطورة المحتملة في احتواء هذه المنتجات على مواد جديدة، ثبت أن بعضها يمتلك خصائص مسرطِنة.
إضافةً إلى ذلك، تلعب العوامل البيئية والمهنية دورًا مهمًا في زيادة خطر الإصابة، ولا سيما التعرض المزمن لمواد مسرطِنة مثل الأسبستوس، والغازات المشعة كالرادون، وبعض المعادن الثقيلة، كما يُعد التلوث الهوائي خاصة بالجسيمات الدقيقة الناتجة عن الانبعاثات الصناعية وعوادم المركبات، من العوامل المرتبطة بزيادة خطر الإصابة بسرطان الرئة.

أعراض ورم بانكوست
تتميّز أعراض ورم بانكوست بنمط مختلف عن الأعراض التقليدية لسرطان الرئة، ويعود ذلك إلى تموضع الورم في قمة الرئة وقربه من أعصاب وأوعية وبنى صدرية حساسة، غالباً ما تبدأ الأعراض بشكل موضعي أو عصبي، بينما تكون الأعراض التنفسية متأخرة أو قد لا تظهر في المراحل الأولى، ما يؤدي إلى تأخر التشخيص في كثيرٍ من الحالات.
1. ألم الكتف والذراع
يُعد ألم الكتف العرض الأكثر شيوعاً في ورم بانكوست، ويكون غالباً شديداً ومستمراً، وقد يمتد إلى الذراع أو العنق أو لوح الكتف. ينجم هذا الألم عن غزو الورم للأضلاع العلوية أو الجدار الصدري، ويتميّز بعدم استجابته الجيدة للمسكنات التقليدية.
2. الأعراض العصبية
قد يؤدي غزو الضفيرة العصبية إلى ظهور أعراض عصبية في الطرف العلوي، مثل الضعف، أو الخدر أو فقد المنعكسات، وقد تصل في بعض الحالات إلى ضمور عضلات اليد. غالباً ما تُخطئ هذه الأعراض وتُفسَّر على أنها ناتجة عن أمراض عنقية تنكسية مثل الديسك الرقبي، مما يؤخر التشخيص وبدء العلاج.
3. متلازمة بانكوست–توبياس
تتظاهر هذه المتلازمة بمجموعة من العلامات المميزة، تشمل ألماً شديداً على مسار الأعصاب العنقية والصدرية العلوية، إضافةً إلى تطور متلازمة هورنر، والتي تتضمن تدلّي الجفن، وتقبّض الحدقة، وفقدان التعرّق في نصف الوجه المصاب.
4. الأعراض الوعائية
في حال غزو الورم للأوعية تحت الترقوة، ولا سيما الوريد تحت الترقوة، قد تظهر وذمة في الذراع واليد نتيجة الانسداد الوريدي، وقد تترافق مع شعور بالثقل أو تغيراتٍ جلدية موضعية.
5. الأعراض التنفسية
تُعد الأعراض التنفسية الكلاسيكية، مثل السعال أو نفث الدم أو ضيق التنفس، أقل شيوعاً في المراحل المبكرة من ورم بانكوست، وذلك بسبب موقعه الطرفي البعيد عن القصبات الهوائية الكبيرة، وغالباً ما تظهر في مراحل لاحقة من المرض.
تشخيص ورم بانكوست
يُعد تشخيص ورم بانكوست تحدياً سريرياً، ويعود ذلك إلى تموضعه في قمة الرئة وغلبة الأعراض غير التنفسية في المراحل المبكرة، ما يؤدي في كثير من الحالات إلى تأخر الاشتباه بالمرض. لذلك يعتمد التشخيص على مجموعة من الفحوص الشعاعية المتقدمة مع التأكيد النسيجي.
الأشعة البسيطة للصدر
تُعد الأشعة البسيطة خطوة أولية في التقييم، إلا أنها قد لا تُظهر الورم في المراحل المبكرة بسبب اختفائه خلف عظم الترقوة أو البنى العظمية المجاورة، ولذلك لا يمكن الاعتماد عليها وحدها لنفي التشخيص.
التصوير الطبقي المحوري للصدر
يُعتبر التصوير الطبقي المحوري الفحص الأساسي لتشخيص ورم بانكوست، إذ يحدد حجم الورم، ودرجة غزوه للجدار الصدري، والأضلاع، والفقرات، إضافةً إلى تقييم العقد اللمفية وحالة النسيج الرئوي المحيط.
التصوير بالرنين المغنطيسي
يُعد الرنين المغنطيسي الأدق في تقييم غزو الضفيرة العضدية، والأوعية تحت الترقوة، والبنى العصبية والرخوة المجاورة، ويُستخدم بشكل أساسي عند التخطيط للتداخل الجراحي.
التصوير الطبقي المحوري بالإصدار البوزيتروني (PET-CT)
يُستخدم هذا الفحص للكشف عن الانتقالات البعيدة وتحديد مرحلة المرض بدقة، كما يساعد في تخطيط العلاج الإشعاعي وتقييم الاستجابة للعلاج.
الخزعة والتأكيد النسيجي
يُعد التأكيد النسيجي خطوة أساسية في تشخيص ورم بانكوست، ويمكن الحصول على الخزعة بعدة طرق تعتمد على موقع الورم ومدى انتشاره وحالة المريض. تشمل الطرق الشائعة الخزعة بالإبرة الموجهة بالتصوير الطبقي المحوري، والتي تُعد خياراً أولياً في كثير من الحالات، كما يمكن أخذ الخزعة عبر الجراحة الصدرية التنظيرية بمساعدة الفيديو (VATS)، خاصةً عندما تكون الخزعة بالإبرة غير كافية أو غير ممكنة. في بعض الحالات، قد يلزم أخذ الخزعة عبر شق جراحي صغير في جدار الصدر، وذلك عندما يتطلب الوصول المباشر إلى الورم للحصول على عينة نسيجية مناسبة.
تنظير المنصف وتنظير القصبات
يُعد تنظير المنصف ضرورياً عند وجود تضخم في العقد اللمفية المنصفية، إذ يساعد على تحديد مرحلة المرض بدقة، أما تنظير القصبات فتكون فائدته محدودة في تشخيص ورم بانكوست، نظراً لتموضع الورم في قمة الرئة بشكل محيطي بعيداً عن القصبات الهوائية الكبيرة، ولذلك لا يُرى عادةً عبر المنظار.
مراحل ورم بانكوست
كما هو الحال في بقية أنواع سرطان الرئة، يُصنف ورم بانكوست اعتماداً على نظام تصنيف مراحل السرطان المعتمد، والذي يستخدم الأرقام الرومانية من المرحلة الأولى إلى الرابعة، إضافةً إلى التصنيفات الفرعية. كما يُستخدم نظام TNM لتحديد مدى تقدم المرض، حيث يشير الحرف T إلى حجم الورم وامتداده الموضعي، ويعبّر N عن وجود انتقالات إلى العقد اللمفية، بينما يدل M على وجود انتقالات بعيدة في الجسم.
ونظرًا لصعوبة اكتشاف أورام بانكوست في المراحل المبكرة بسبب تموضعها في قمة الرئة، فإن معظم الحالات تُشخَّص في مراحل متقدمة موضعياً، وغالباً ما تكون ضمن تصنيفي T3 أو T4 عند التشخيص. يشير تصنيف T3 إلى غزو الورم لجدار الصدر أو الأعصاب الودية، في حين يدل تصنيف T4 على امتداده إلى بُنى أعمق، مثل الضفيرة العضدية أو الفقرات أو الحبل الشوكي.
تُعد معرفة مرحلة الورم خطوة أساسية في تحديد الخطة العلاجية الأنسب وتقييم قابلية الجراحة، إذ يرتبط مدى الغزو الموضعي وانتشار المرض بشكلٍ مباشر باختيار الاستراتيجية العلاجية المناسبة لكل حالة.
علاج ورم بانكوست
يعتمد علاج ورم بانكوست على نهج متعدد التخصصات، نظراً لتعقيد موقع الورم وقربه من بنى تشريحية حساسة. ويُحدد المسار العلاجي بناءً على مرحلة المرض، ومدى الغزو الموضعي، وقابلية الاستئصال الجراحي، إضافةً إلى الحالة العامة للمريض.
العلاج الكيميائي والإشعاعي قبل الجراحة
في الحالات القابلة للجراحة، يُعطى العلاج الكيميائي بالترافق مع العلاج الإشعاعي كخطوة أولى، بهدف تصغير حجم الورم وتقليل غزوه للبنى المجاورة، يساعد هذا النهج على تحسين فرص الاستئصال الجراحي الكامل وتقليل خطر النكس الموضعي.
العلاج الجراحي
يهدف التدخل الجراحي إلى الاستئصال الكامل للورم مع تحقيق هوامش جراحية سليمة، وغالباً ما يتضمن استئصال الفص الرئوي المصاب مع الأنسجة المتأثرة المجاورة عند الإمكان، ونظراً لموقع الورم في قمة الرئة تُعد الجراحة تحدياً تقنياً خاصةً عند وجود غزو للجدار الصدري أو الأضلاع أو البنى العصبية. مع تطور التقنيات الجراحية، أصبح بالإمكان إجراء الجراحة باستخدام الأساليب التنظيرية أو الروبوتية في حالات مختارة، ما يُسهم في تقليل حجم الشق الجراحي، وتخفيف الألم بعد العملية، وتقليل المضاعفات مقارنةً بالجراحة المفتوحة التقليدية.
العلاج الإشعاعي في الحالات غير القابلة للجراحة
في الحالات التي لا يكون فيها الاستئصال الجراحي ممكناً، يُستخدم العلاج الإشعاعي كعلاج أساسي، غالباً بالترافق مع العلاج الكيميائي بهدف السيطرة الموضعية على الورم والحد من تقدمه.
العلاج التلطيفي
عند تشخيص ورم بانكوست في مراحل متقدمة مع وجود انتقالات بعيدة، يتركز العلاج على التدبير التلطيفي، والذي يهدف إلى تخفيف الألم وتحسين جودة الحياة والسيطرة على الأعراض الناتجة عن ضغط الورم على الأعصاب أو الأوعية، وذلك من خلال المسكنات المناسبة، والعلاج الإشعاعي الموضعي، والدعم الطبي الشامل.
في الختام، يمثّل ورم بانكوست أحد الأشكال الخاصة من سرطان الرئة، ويكمن تميّزه الأساسي في موقعه التشريحي في قمة الرئة وما يترتب على ذلك من أعراض غير نمطية قد تؤدي إلى تأخر التشخيص، ويُعد التعرف المبكر على العلامات المميزة للورم خطوة محورية في توجيه المريض نحو التقييم الصحيح، ومع التقدم في أساليب التشخيص والعلاج متعدد التخصصات تحسنت فرص السيطرة على المرض وإمكانية التدخل العلاجي الفعّال في الحالات المناسبة. يظل التشخيص الدقيق ووضع الخطة العلاجية الملائمة لكل حالة عاملين أساسيين في تحسين النتائج وجودة الحياة لدى المرضى.
المصادر:
- Gundepalli SG, Tadi P. Lung Pancoast Tumor. . In: StatPearls . Treasure Island (FL): StatPearls Publishing; 2025 Jan-. Available from: https://www.ncbi.nlm.nih.gov/books/NBK556109/
- Panagopoulos, N., Leivaditis, V., Koletsis, E., Prokakis, C., Alexopoulos, P., Baltayiannis, N., Hatzimichalis, A., Tsakiridis, K., Zarogoulidis, P., Zarogoulidis, K., Katsikogiannis, N., Kougioumtzi, I., Machairiotis, N., Tsiouda, T., Kesisis, G., Siminelakis, S., Madesis, A., & Dougenis, D. (2014). Pancoast tumors: characteristics and preoperative assessment. Journal of thoracic disease, 6 Suppl 1(Suppl 1), S108–S115. https://doi.org/10.3978/j.issn.2072-1439.2013.12.29
