يعاني عدد كبير من المصابين بإصابات الحبل الشوكي من تغيرات ملحوظة في حياتهم الجنسية والإنجابية، حيث تشير الأبحاث إلى أن الانتصاب والقذف والإثارة عند الذكور والإناث تتأثر بنسبة كبيرة بعد الإصابة. في الواقع، أظهرت الدراسات أن أكثر من 80 ٪ من المصابين يعانون من صعوبة في الأداء الجنسي أو الخصوبة. هذه المشاكل لا تؤثر فقط على الجانب الجسدي، بل تمتد إلى الصحة النفسية والجزء العاطفي من العلاقات. من هنا، تبرز مشاكل الجنس والخصوبة بعد إصابات الحبل الشوكي كأحد أولويات التأهيل الطبي والاجتماعي لدى هؤلاء المرضى.
ما هي إصابات الحبل الشوكي؟
إصابات الحبل الشوكي هي تلف جزئي أو كامل للحبل الشوكي، وهو الحبل العصبي المركزي الذي يمتد داخل العمود الفقري وينقل الإشارات العصبية بين الدماغ وبقية أجزاء الجسم، تؤدي هذه الإصابات إلى فقدان أو ضعف الحركة والإحساس في المناطق المتأثرة وقد تترافق مع اضطرابات في التحكم بالمثانة والأمعاء، إضافة إلى تأثيرها على الوظائف الجنسية والقدرة الإنجابية مما قد يسبب العقم.
تختلف شدة أعراض مشاكل الجنس والخصوبة بعد إصابات الحبل الشوكي ومدى تأثيرها على حياة الشخص اليومية بحسب مستويات الإصابة ودرجة الضرر. تعتبر هذه الإصابات من الحالات الطبية المعقدة التي تتطلب متابعة دقيقة وإدارة متعددة التخصصات لضمان تحسين نوعية الحياة للمرضى.
تأثير إصابات الحبل الشوكي على الجنس
تؤثر إصابات الحبل الشوكي بشكل مباشر على الوظائف الجنسية لدى الرجال والنساء نتيجة اضطراب الإشارات العصبية بين الدماغ وأعضاء الجهاز التناسلي. تختلف طبيعة هذه التغيرات بحسب مستوى الإصابة وشدتها وقد تكون مؤقتة أو دائمة مما ينعكس على الرغبة الجنسية والقدرة على الإثارة والانتصاب والقذف والقدرة على الحمل.
التغيرات الجنسية عند الرجال
إصابات الحبل الشوكي غالباً ما تؤدي إلى اضطرابات في الانتصاب والقذف ويمكن تصنيف الانتصاب إلى نوعين رئيسيين:
- الانتصاب الانعكاسي: يحدث نتيجة التحفيز الجنسي المباشر للأعضاء التناسلية ويعتمد على استجابة الحبل الشوكي. غالباً يبقى ممكناً عند إصابات الحبل الشوكي فوق الفقرة الصدرية الثانية إلى الرابعة.
- الانتصاب النفسي: يعتمد على التحفيز الذهني أو الحسي، ويحتاج إلى سلامة المسارات العصبية بين الدماغ والحبل الشوكي. يتأثر بشكل كبير عند الإصابات العالية وقد يكون ضعيف أو غير مستمر.
مشاكل القذف
- بعض المرضى قد يعانون من القذف الرجعي حيث يدخل السائل المنوي إلى المثانة بدلاً من الخروج عبر القضيب
- القذف قد يكون ضعيف أو غير ممكن لدى معظم المرضى المصابين بإصابات الحبل الشوكي خصوصاً إذا كان مستوى الإصابة أعلى من الفقرة الصدرية الثانية عشر (T12)
- ضعف القذف يؤدي أحياناً إلى انخفاض فرص الإنجاب الطبيعية وقد يستدعي تدخلات طبية متخصصة مثل جمع الحيوانات المنوية باستخدام تقنيات التحفيز الكهربائي أو أجهزة القسطرة

التغيرات الجنسية عند النساء
النساء المصابات بإصابات الحبل الشوكي قد يعانين من مجموعة من التغيرات الجنسية نتيجة اضطراب الإشارات العصبية وتغير الإحساس في منطقة الحوض:
- انخفاض الرغبة الجنسية بسبب تغير الإحساس أو الألم المزمن
- تغيرات في ترطيب المهبل مما يؤدي إلى جفاف وألم أثناء الجماع وقد يتطلب استخدام مزلقات أو علاجات موضعية
- صعوبة في الإثارة الجنسية نتيجة ضعف الإحساس في المنطقة الحوضية مما قد يعيق وصول المرأة إلى الرضا الجنسي الكامل
- بعض النساء قد تستمر لديهن القدرة على الحمل ولكن هذا يتطلب متابعة طبية دقيقة نظراً لأن احتمالية المخاطر تصبح أعلى مثل الإجهاض أو الولادة المبكرة أو صعوبات أثناء الولادة الطبيعية
التغيرات الجنسية المشتركة
- التأثير النفسي والعاطفي: تؤثر الإصابات على الثقة بالنفس والعلاقة الزوجية وقد يؤدي القلق أو الاكتئاب إلى تفاقم المشاكل الجنسية.
- التداخل مع مشاكل أخرى: مثل مشاكل المثانة أو الأمعاء المزمنة التي قد تزيد من صعوبة ممارسة الجنس أو تسبب ألم مزمن.
- التغيرات الهرمونية: إصابات الحبل الشوكي قد تؤدي إلى اختلال مستويات الهرمونات الجنسية لدى الرجال والنساء مما يؤثر على الرغبة الجنسية والقدرة الإنجابية.
تأثير إصابات الحبل الشوكي على الخصوبة
تؤثر إصابات الحبل الشوكي بشكل كبير على القدرة الإنجابية لدى الرجال والنساء نتيجة تأثيرها على الوظائف العصبية والهرمونية المسؤولة عن التكاثر. تختلف درجة التأثير بحسب مستوى وشدة الإصابة وفترة الزمن منذ حدوثها مما يجعل تقييم الخصوبة والتخطيط للعلاج أمر ضروري لكل المصابين.
تأثير إصابات الحبل الشوكي على خصوبة الرجال
إصابات الحبل الشوكي قد تؤدي إلى مشاكل متعددة تتعلق بالخصوبة، أبرزها:
- ضعف الحيوانات المنوية:
- التأثير العصبي المباشر على الغدد التناسلية قد يضعف إنتاج الحيوانات المنوية أو جودتها
- انخفاض الحركة وعدد الحيوانات المنوية بسبب تغير درجة حرارة الأعضاء التناسلية أو التهابات البروستاتا المتكررة
- اضطرابات القذف:
- القذف غير المكتمل أو الرجعي يقلل بشكل كبير من فرص الإنجاب الطبيعي
- يحتاج الرجال في بعض الحالات إلى جمع الحيوانات المنوية باستخدام التحفيز الكهربائي أو تقنيات القسطرة لإتمام التلقيح الصناعي
- الاختلالات الهرمونية:
- قد يصاحب ذلك اضطرابات في إفراز هرمونات الغدة النخامية التي تتحكم في إنتاج الحيوانات المنوية
- انخفاض مستويات هرمون التستوستيرون يؤثر على الرغبة الجنسية والقدرة على الانتصاب وجودة الحيوانات المنوية
- المضاعفات الأخرى:
- الألم المزمن والقلق النفسي قد يضعف الرغبة الجنسية ويؤثر على النشاط الجنسي
- مشاكل المثانة المزمنة والتهابات المسالك البولية قد تؤثر على خصوبة الرجال بشكل غير مباشر
تأثير إصابات الحبل الشوكي على خصوبة النساء
عادةً ما تبقى الخصوبة عند النساء المصابات بإصابات الحبل الشوكي ممكنة، لكن هناك تحديات ومخاطر إضافية تشمل:
- زيادة احتمال الإجهاض أو الولادة المبكرة بسبب ضعف التحكم العضلي في الحوض واضطراب الدورة الدموية
- صعوبة الولادة الطبيعية في بعض الحالات مما يستدعي التخطيط لمتابعة الحمل وولادة آمنة تحت إشراف طبي متخصص
- اضطرابات هرمونية محتملة قد تؤثر على انتظام الدورة الشهرية أو جودة الإباضة، لذلك يلزم تقييم مستمر للوظائف الهرمونية
- يمكن اللجوء إلى تقنيات الإنجاب المساعدة مثل التلقيح الصناعي أو متابعة الإباضة باستخدام التحفيز الهرموني لضمان فرص الحمل الناجح

التشخيص الطبي لمشاكل الجنس والخصوبة بعد إصابات الحبل الشوكي
تشخيص مشاكل الجنس والخصوبة بعد إصابات الحبل الشوكي يعد خطوة أساسية لوضع خطة علاجية دقيقة وفعالة، تشمل خطوات التشخيص لمشاكل الجنس والخصوبة بعد إصابات الحبل الشوكي:
التاريخ الطبي المفصل
- الاستفسار عن مشاكل الخصوبة السابقة أو الحالية وأي محاولات علاجية سابقة
- جمع معلومات دقيقة حول مستوى الإصابة وشدتها وطبيعة الحادث الذي أدى إلى إصابة الحبل الشوكي
- توثيق التغيرات الجنسية بعد الإصابة مثل ضعف الانتصاب وصعوبة القذف وانخفاض الرغبة الجنسية وتغيرات الإثارة الجنسية لدى النساء

الفحص السريري
- اختبار وظيفة العضلات الحوضية التي تؤثر على التحكم بالمثانة والجنس
- تقييم الانتصاب والقدرة الجنسية لدى الرجال مع ملاحظة الانتصاب الانعكاسي والنفسي
- تقييم الإحساس الجنسي لدى الرجال والنساء، خصوصاً في المناطق الحوضية والفخذية
- فحص المثانة والمسالك البولية حيث يمكن أن تؤثر مشاكلها على الأداء الجنسي والخصوبة
التحاليل الهرمونية
- متابعة الهرمونات النسائية لتقييم الإباضة وتنظيم الدورة الشهرية
- قياس هرمونات الغدة النخامية التي تتحكم في إنتاج الهرمونات الجنسية
- قياس مستويات التستوستيرون لدى الرجال لتقييم التأثير على الرغبة الجنسية وجودة الحيوانات المنوية
تقييم الخصوبة
- للرجال: تحليل السائل المنوي لتحديد عدد الحيوانات المنوية والحركة والشكل مع إمكانية إجراء اختبارات إضافية عند الحاجة.
- للنساء: متابعة الإباضة والوظائف التناسلية باستخدام الفحوص المخبرية أو الموجات فوق الصوتية لتحديد إمكانية الحمل ووضع خطة علاجية مناسبة
خيارات العلاج وإدارة مشاكل الجنس والخصوبة بعد إصابات الحبل الشوكي
تقسم خيارات علاج مشاكل الجنس والخصوبة بعد إصابات الحبل الشوكي إلى:
خيارات علاج مشاكل الجنس والخصوبة بعد إصابات الحبل الشوكي للرجال
- العلاجات الدوائية: استخدام مثبطات إنزيم PDE5 مثل سيلدينافيل أو الفياغرا وتادالافيل لتحفيز الانتصاب وزيادة القدرة الجنسية.
- أجهزة الانتصاب: مضخات فراغية وأجهزة ميكانيكية تساعد في تحقيق الانتصاب عند ضعف الاستجابة الدوائية.
- العلاج بالإبر العصبية والتحفيز الكهربائي: يستخدم لتحفيز الانتصاب والقذف لدى بعض المرضى، خاصة الذين يعانون من القذف غير المكتمل أو القذف الرجعي.
- إجراءات الإنجاب المساعدة: تشمل جمع الحيوانات المنوية بالتحفيز الكهربائي أو تقنيات الحقن داخل الرحم، مثل الحقن المجهري للحيوانات المنوية داخل البويضة، للمرضى الذين يعانون مشاكل الجنس والخصوبة بعد إصابات الحبل الشوكي.
خيارات علاج مشاكل الجنس والخصوبة بعد إصابات الحبل الشوكي للنساء
- العلاجات الموضعية: كريمات الترطيب والمزلقات لتسهيل الجماع وتقليل الألم الناتج عن جفاف المهبل أو ضعف الإثارة.
- العلاج النفسي والجنسي: يشمل الاستشارات السلوكية وتقنيات العلاج الجنسي لزيادة الرغبة الجنسية وتحسين الاستجابة الجنسية.
- متابعة الحمل عن كثب: متابعة طبية دقيقة لضمان سلامة الأم والجنين، مع وضع خطة ولادة مناسبة لتقليل المخاطر على الحمل والولادة الطبيعية.
التدخل النفسي والدعم الاجتماعي
- الاستشارة الجنسية والعلاج السلوكي لتقليل القلق وتحسين الثقة بالنفس
- مجموعات الدعم والمشورة الزوجية لمشاركة التجارب وتقديم النصائح العملية
- التثقيف الصحي حول التغيرات الجسدية والجنسية بعد إصابات الحبل الشوكي وأهمية متابعة العلاج المبكر
الوقاية من مشاكل الجنس والخصوبة بعد إصابات الحبل الشوكي
هناك بعض النصائح التي تساعدنا بالوقاية من مشاكل الجنس والخصوبة بعد إصابات الحبل الشوكي، مثل:
- التحكم في الألم المزمن لتحسين الوظيفة الجنسية وجودة الحياة
- العلاج المبكر للمضاعفات البولية والمثانية لتقليل تأثيرها على الخصوبة والجنس
- الحفاظ على نمط حياة صحي:
- ممارسة التمارين المناسبة للعضلات غير المصابة
- دعم الصحة النفسية للحد من الاكتئاب والقلق المرتبط بالإصابة
- التغذية السليمة والحفاظ على الوزن المثالي لتقليل المضاعفات الصحية
إن معالجة مشاكل الجنس والخصوبة بعد إصابات الحبل الشوكي تتطلب رؤية شاملة تجمع بين التدخلات الطبية والدعم النفسي والتأهيل المتخصص. عبر تقديم الرعاية الملائمة، يمكن تحسين جودة الحياة الجنسية وإتاحة فرص الإنجاب لعدد من المصابين الذين قد يشعرون بالعزلة أو القلق. مركز بيمارستان الطبي يمتلك خبرات عالية في هذا المجال ويعمل على تقديم خدمات تأهيلية وجنسية شاملة للمرضى الراغبين بإعادة بناء حياتهم الحميمية. في النهاية، الدعم المبكر والمخصص يمكن أن يسهم في تحقيق توازن صحي بين الاحتياجات الجسدية والعاطفية بعد الإصابة.
المصادر:
- Earle, S., O’Dell, L., Davies, A., & Rixon, A. (2020). Views and experiences of sex, sexuality and relationships following spinal cord injury: A systematic review and narrative synthesis. Sexuality and Disability, 38(4), 567–595.
- Scivoletto, G., Petrella, R., & Di Capua, M. (2022). Male sexual dysfunction and infertility in spinal cord injury patients: State-of-the-art and future perspectives. Journal of Personalized Medicine, 12(6), 873.
- Patki, P., Hamid, R., Shah, J., & Craggs, M. (2007). Fertility following spinal cord injury: A systematic review. Spinal Cord, 45(2), 187–195.
- Sipski, M. L., & Alexander, C. J. (1993). Self-awareness of the male sexual response after spinal cord injury. Archives of Physical Medicine and Rehabilitation, 74(10), 1025–1029
- Sipski, M. L., Alexander, C. J., & Findley, T. W. (1993). Sexual activities, desire, and satisfaction in males pre- and post-spinal cord injury. Archives of Sexual Behavior, 22(3), 217–228
