يُعدّ انسداد الوريد الشبكي المركزي من أكثر اضطرابات الأوعية الدموية في العين شيوعاً، ويحدث عندما يُغلق الوريد الرئيسي المسؤول عن تصريف الدم من الشبكية جزئياً أو كلياً، مما يؤدي إلى تجمع الدم والسوائل داخل الشبكية وضعف مفاجئ في الرؤية.
غالباً ما يصيب هذا الانسداد عيناً واحدة ويظهر بشكل مفاجئ أو تدريجي خلال ساعات أو أيام. رغم أن بعض المرضى قد لا يشعرون بأعراض واضحة، إلا أنّ أغلبهم يعانون من تشوش أو فقدان البصر المفاجئ، وفي بعض الحالات قد ترافقه رؤية عوائم سوداء أو ألم وضغط داخل العين.
ما هو انسداد الوريد الشبكي المركزي؟
يحدث انسداد الوريد الشبكي المركزي عندما يتكوّن خثرة دموية (جلطة) داخل الوريد الرئيسي للشبكية، وهو الوعاء الذي يُصَرِّف الدم من أنسجة الشبكية إلى الدوران العام. يؤدي هذا الانسداد إلى تراجع تصريف الدم واحتباس السوائل داخل الشبكية، ما يسبب وذمة (تورماً) في المنطقة المركزية المسؤولة عن الرؤية الدقيقة (اللطخة الصفراء).
تؤدي هذه الحالة إلى ضبابية أو فقدان الرؤية المركزية بسبب تلف مستقبلات الضوء نتيجة نقص الأكسجين (نقص التروية). وفي الحالات الشديدة، يمكن أن تتكوّن أوعية دموية غير طبيعية على سطح الشبكية أو القزحية، مما قد يسبب نزفاً داخل العين وارتفاعاً في الضغط الداخلي (زرق وعائي). يحدث المرض عادة لدى البالغين فوق سن الستين، ويُعتبر أكثر شيوعاً عند المصابين بارتفاع ضغط الدم أو السكري أو اضطرابات تخثّر الدم.

أنواع انسداد الوريد الشبكي المركزي
ينقسم انسداد الوريد الشبكي المركزي (CRVO) إلى نوعين رئيسيين، يختلفان من حيث شدة الانسداد وتأثيره على التروية الدموية في الشبكية:
- النوع غير الإقفاري (Non-Ischemic CRVO):
- الشكل الأخف والأكثر شيوعاً
- يترافق بتسرب الدم من الأوعية الدقيقة داخل الشبكية، مما يؤدي إلى ضبابية الرؤية أو فقدانها الجزئي
- غالباً ما تكون التروية الدموية الشبكية محفوظة جزئياً، مما يمنح فرصة أفضل للتحسّن البصري
- النوع الإقفاري (Ischemic CRVO):
- الشكل الأشد خطورة
- يؤدي إلى انخفاض أو انقطاع تدفق الدم إلى الشبكية ونقص شديد في الأكسجين، ما يسبب فقداناً بصرياً دائماً في بعض الحالات
- قد يؤدي إلى نمو أوعية دموية غير طبيعية في القزحية أو الشبكية مسببةً نزيفاً أو زرقاً وعائياً
كما يوجد نوع آخر يُدعى انسداد الوريد الشبكي الفرعي (Branch Retinal Vein Occlusion – BRVO)، وهو مشابه لكنه يصيب فرعاً من فروع الوريد وليس الوريد الرئيسي، وتكون الأعراض فيه أكثر موضعية وأقل شدة.
أسباب انسداد الوريد الشبكي المركزي
السبب المباشر هو تكوّن جلطة دموية داخل الوريد الشبكي المركزي، مما يمنع تدفق الدم الطبيعي. لكن هناك عدة عوامل تزيد من خطر الإصابة، من أبرزها:
- ارتفاع ضغط الدم المزمن الذي يُضعف جدران الأوعية الدموية
- داء السكري الذي يسبب تلف الأوعية الدقيقة داخل الشبكية
- ارتفاع الكوليسترول والدهون الثلاثية ما يزيد لزوجة الدم واحتمال التخثّر
- التقدم في العمر خاصة بعد سن 60 عاماً
- التدخين الذي يؤثر على مرونة الأوعية الدموية ويزيد خطر الجلطات
- الزرق (الجلوكوما) حيث يؤدي ارتفاع الضغط داخل العين إلى ضعف الجريان الوريدي
- الأمراض الالتهابية في العين مثل التهاب العنبية أو الأوعية الشبكية
- اضطرابات التخثر لتي تسبب ميلاً مفرطاً لتشكّل الجلطات
في بعض الحالات النادرة، يمكن أن يحدث انسداد الوريد في كلتا العينين بشكل متزامن، مما يشير غالباً إلى مرض جهازي في الدم أو اضطراب تخثري يتطلب تقييماً طبياً شاملاً.
أعراض انسداد الوريد الشبكي المركزي
تختلف شدة الأعراض في انسداد الوريد الشبكي المركزي (CRVO) حسب درجة الانسداد ومدى تأثر تدفق الدم في الشبكية. قد تمر بعض الحالات الخفيفة دون أعراض واضحة، بينما يعاني معظم المرضى من تراجع في حدة الرؤية أو تشوش بصري مفاجئ في عين واحدة. تظهر الأعراض عادة بشكل تدريجي خلال ساعات أو أيام، وتشمل ما يلي:
- فقدان أو تشوش الرؤية: أكثر الأعراض شيوعاً، وقد يكون جزئياً أو كاملاً في عين واحدة، ويحدث بسبب تراكم السوائل في مركز الشبكية (اللطخة الصفراء الصفراء).
- تشوه أو تموّج في الرؤية: نتيجة التورم في المنطقة المركزية للشبكية.
- احمرار وتهيج في العين: خاصة عندما تنمو أوعية دموية غير طبيعية تسبب التهابات ثانوية.
- رؤية عوائم سوداء: وهي بقع أو خطوط داكنة ناتجة عن تسرب كتل صغيرة من الدم إلى الجسم الزجاجي داخل العين.
- ضبابية أو تعتيم متقطع في الرؤية: تُعرف باسم “اضطرابات الرؤية العابرة”، وقد تظهر وتختفي بشكل متكرر في المراحل المبكرة.
- ألم أو ضغط داخل العين: يظهر في الحالات الشديدة أو عند تطور مضاعفات مثل الزرق (Glaucoma) الناتج عن ارتفاع الضغط داخل العين.
في معظم الحالات، يُصاب مريض واحد فقط بعين واحدة، لكن عند إصابة كلتا العينين قد يشير ذلك إلى اضطراب دموي أو تخثري عام يحتاج إلى تقييم طبي شامل.
تشخيص انسداد الوريد الشبكي المركزي
يعتمد تشخيص انسداد الوريد الشبكي المركزي على الفحص السريري الدقيق للعين إلى جانب مجموعة من الفحوص التصويرية المتقدمة. يبدأ الطبيب عادة بتوسيع الحدقة باستخدام قطرات خاصة ثم فحص الشبكية لتقييم النزيف والتورم. تشمل وسائل التشخيص الأساسية ما يلي:
1. الفحص السريري للعين
يقوم طبيب العيون بتوسيع الحدقة باستخدام قطرات خاصة ثم يفحص الشبكية باستخدام منظار العين. يُظهر الفحص عادةً نزوفاً شبكية على شكل لهب وتورماً في الشبكية أو العصب البصري، وهي علامات نموذجية لانسداد الوريد المركزي، يتم أيضاً تقييم حدة البصر وتمييز الألوان ومجال الرؤية لتقدير مدى تأثير الانسداد على الإبصار.
2. التصوير المقطعي للتماسك البصري
عد من أهم الفحوص الحديثة لتقييم الشبكية، يكشف وذمة اللطخة الصفراء الناتجة عن تراكم السوائل في مركز الإبصار ويقيس سماكة الطبقات الشبكية بدقة، ويساعد في متابعة تطور الحالة واستجابة المريض للعلاج بالحقن أو الليزر.

3. تصوير الأوعية بالفلوريسين
يتم حقن صبغة فلوريسين صفراء في أحد أوردة الذراع، ثم تُلتقط صور متتابعة للشبكية أثناء مرور الصبغة بالأوعية. يُظهر الفحص مناطق انسداد الأوعية أو نقص التروية أو وجود تسرب دموي وأوعية غير طبيعية، يُستخدم أيضاً لتفريق حالات CRVO عن أمراض مشابهة مثل اعتلال الشبكية السكري.
4. تصوير الأوعية بالتماسك البصري
تقنية حديثة تُجرى بدون صبغة، وتوفر صوراً تفصيلية للأوعية الدموية الدقيقة داخل الشبكية. تفيد في تقييم تدفق الدم الشبكي بدقة ومتابعة التغيرات الدقيقة بمرور الوقت.
5. الفحوص المخبرية
تُجرى للتحقق من وجود أمراض جهازية قد تكون وراء الانسداد، مثل:
- السكري
- ارتفاع ضغط الدم
- اضطرابات الدهون والكوليسترول
- اضطرابات تخثّر الدم: يُنصح بإجرائها خصوصاً عند الشباب دون الأربعين عاماً أوعند إصابة كلتا العينين بالانسداد.
6. الفحوص الإضافية والتشخيص التفريقي
قد يُطلب فحص لدى طبيب أمراض الدم أو الباطنة لاستبعاد أسباب جهازية. يهدف الطبيب أيضاً إلى تمييز CRVO عن أمراض شبكية أخرى مثل:
- اعتلال الشبكية السكري
- اعتلال الشبكية الناتج عن فقر الدم أو نقص الصفائح الدموية
يهدف التشخيص الدقيق إلى تحديد درجة الانسداد ونوعه (إقفاري أو غير إقفاري)، واستبعاد أمراض أخرى قد تشبهه مثل اعتلال الشبكية السكري أو فقر الدم ونقص الصفائح، مما يساعد في وضع خطة علاجية فعالة للحفاظ على البصر.

علاج انسداد الوريد الشبكي المركزي
لا يوجد علاج شافٍ تماماً لانسداد الوريد الشبكي المركزي (CRVO)، لكن الهدف من العلاج هو الحفاظ على الرؤية ومنع تفاقم الضرر الشبكي. تعتمد الخطة العلاجية على نوع الانسداد (إقفاري أو غير إقفاري) وشدة التورم أو المضاعفات المرافقة.
1. الحقن داخل العين
هي العلاج الأكثر استخداماً اليوم، وتُعطى بشكل مباشر داخل الجسم الزجاجي للعين:
مضادات عامل النمو الوعائي (Anti-VEGF)
مثل رانيبزوماب (Lucentis®)، أفليبرسبت (Eylea®)، بيفاسيزوماب (Avastin®). تعمل هذه الأدوية على تثبيط مادة VEGF المسؤولة عن تسرب السوائل وتكوّن أوعية دموية غير طبيعية في الشبكية، مما يقلل من الوذمة البقعية ويحسن الرؤية. عادةً يبدأ العلاج بأربع حقن شهرية متتالية، تليها حقن متباعدة حسب استجابة المريض.
الستيروئيدات داخل العين
مثل تريامسينولون أو ديكساميثازون (Ozurdex®)، وهي تساعد على تخفيف الالتهاب وتقليل تورم البقعة. يستمر مفعول الزرعة (Ozurdex) نحو 4 إلى 6 أشهر، وتتكرر حسب الحاجة. من آثارها الجانبية المحتملة ارتفاع ضغط العين أو تشكل الساد (الماء الأبيض)، وغالباً يمكن التحكم بهما بالأدوية أو الجراحة عند الضرورة.
2. العلاج بالليزر
في الحالات الشديدة التي تتشكل فيها أوعية دموية غير طبيعية داخل الشبكية أو على القزحية، يُستخدم الليزر الشبكي المنتشر، حيث يعمل الليزر على إيقاف نمو الأوعية غير الطبيعية ويمنع النزيف داخل العين ويقلل خطر حدوث الزرق الوعائي، وهذا العلاج لا يُحسّن الرؤية المركزية، لكنه يحمي العين من المضاعفات المستقبلية.
3. المتابعة الدورية والتأهيل البصري
بعد بدء العلاج، يُراقب الطبيب تحسّن البصر عبر فحوص OCT وفحوص المجال البصري، ويُعدّل فترات الحقن أو الليزر بحسب الاستجابة.
في بعض الحالات التي يحدث فيها فقدان بصري دائم، يمكن للمريض الاستفادة من برامج التأهيل البصري والأدوات المساعدة للرؤية الضعيفة لتحسين جودة الحياة اليومية.
العلاج المبكر بحقن Anti-VEGF أو الستيروئيد هو المفتاح لتحسين النتيجة البصرية، في حين أن التأخير في العلاج يزيد خطر المضاعفات الدائمة.
المضاعفات المحتملة لانسداد الوريد الشبكي المركزي
قد يؤدي انسداد الوريد الشبكي المركزي إلى عدد من المضاعفات التي قد تهدد البصر إذا لم تُعالج مبكراً، وتشمل:
- وذمة اللطخة الصفراء المزمنة: وهي السبب الأشيع لضعف الرؤية طويل الأمد.
- تشكل الساد (الماء الأبيض): نتيجة استخدام الستيروئيدات داخل العين لفترة طويلة.
- تلف دائم في الشبكية: خصوصاً في الحالات الإقفارية أو المهملة، وقد يؤدي إلى فقدان بصري لا يمكن استرجاعه.
- نمو أوعية دموية غير طبيعية: يمكن أن تسبب نزيفاً داخل الجسم الزجاجي أو في القزحية.
- الزرق الوعائي: ارتفاع شديد في ضغط العين بسبب انسداد مسار تصريف السوائل.
- العدوى داخل العين: من المضاعفات النادرة بعد الحقن العيني (حوالي 1 لكل 1000 مريض) لكنها قد تسبب فقداناً تاماً للرؤية إن لم تُعالج فوراً.
الوقاية من انسداد الوريد الشبكي المركزي
رغم أن بعض الحالات لا يمكن منعها تماماً، إلا أن الالتزام بنمط حياة صحي يساهم بشكل كبير في تقليل خطر الإصابة أو تكرار الانسداد. وتشمل الإجراءات الوقائية ما يلي:
- ضبط ضغط الدم والسكري والكوليسترول من خلال المتابعة المنتظمة والعلاج المناسب
- الإقلاع عن التدخين الذي يزيد من خطر الجلطات الدموية وتصلب الأوعية
- ممارسة النشاط البدني المعتدل بانتظام لتحسين الدورة الدموية
- تجنّب السمنة ونمط الحياة الخامل
- علاج أي اضطراب تخثري أو التهابي في العين أو الدم مبكراً
- فحص العين الدوري خصوصاً للمرضى كبار السن أو المصابين بأمراض القلب والضغط والسكري
يُعدّ انسداد الوريد الشبكي المركزي من أسباب فقدان البصر المفاجئ، لكن التشخيص المبكر والعلاج المنتظم بحقن مضادات VEGF أو الليزر يساعدان على الحفاظ على الرؤية. يقدم مركز بيمارستان الطبي في تركيا أحدث خيارات العلاج بإشراف أفضل أطباء العيون المختصين.
المصادر:
- National Eye Institute. (2024, November 27). Central retinal vein occlusion (CRVO). National Institutes of Health.
- East & North Hertfordshire NHS Trust. (n.d.). Treatment – Central Retinal Vein Occlusion (CRVO) .
