تؤثر أمراض الأوعية الدموية الرئوية في تدفق الدم بين القلب والرئتين، وقد تؤدي بعض الحالات المزمنة إلى زيادة العبء على الدورة الدموية الرئوية وظهور أعراض تتفاوت شدتها بحسب مدى الانسداد وتأثيره في وظيفة القلب والرئتين.
في بعض هذه الحالات قد يكون التدخل الجراحي ضرورياً لاستعادة مرور الدم بصورة أفضل، ويُعد استئصال بطانة الشريان الرئوي (PTE) أحد الإجراءات المتخصصة المستخدمة لهذا الغرض. تعتمد ملاءمة العملية ونتائجها على تقييم دقيق لحالة المريض وطبيعة التغيرات الموجودة في الشرايين الرئوية.
ما هو استئصال بطانة الشريان الرئوي (PTE)؟
استئصال بطانة الشريان الرئوي (Pulmonary Thromboendarterectomy – PTE) هو إجراء جراحي معقد يهدف إلى إزالة الخثرات الدموية المزمنة التي تسد الشرايين الرئوية، وهي الأوعية التي تنقل الدم من القلب إلى الرئتين.
تختلف هذه الخثرات المزمنة عن الخثرات الحديثة إذ تتحول مع مرور الوقت إلى نسيج شبيه بالندبة يلتصق بجدران الشرايين ولا يمكن التخلص منه بالأدوية وحدها، ويساعد استئصالها على استعادة تدفق الدم إلى الرئتين وتخفيف العبء عن الجانب الأيمن من القلب بالإضافة إلى تحسين وصول الدم والأكسجين إلى أجزاء الرئتين.
متى يُجرى استئصال بطانة الشريان الرئوي ومن المرشح للعملية؟
يُجرى استئصال بطانة الشريان الرئوي بشكل أساسي لدى مرضى ارتفاع ضغط الدم الرئوي الخثاري المزمن (CTEPH)، حيث تبقى خثرات دموية قديمة عالقة بجدران الشرايين الرئوية تعيق تدفق الدم، وقد تتحول هذه الخثرات مع الوقت إلى نسيج ندبي يرفع الضغط داخل الأوعية الرئوية ويزيد العبء على الجانب الأيمن من القلب، خاصةً عندما لا تستجيب للعلاج الدوائي.
تُحدد ملاءمة المريض للعملية بعد تقييم مجموعة من العوامل، أهمها:
- كفاءة القلب والرئتين
- شدة المرض والأعراض
- عمر المريض وحالته الصحية العامة
- موقع الانسداد ودرجته ومدى امتداده داخل الشرايين الرئوية
- وجود ارتفاع ضغط الدم الرئوي الناتج عن المرض الخثاري المزمن
- إمكانية الوصول الجراحي إلى الخثرات وموقعها داخل فروع الشرايين الرئوية
- خبرة الفريق الجراحي، خاصةً في الانسدادات البعيدة أو لدى من خضعوا لجراحات صدرية سابقة
ويُعد المرضى ذوو الأعراض المتوسطة إلى الشديدة والانسدادات القابلة للوصول جراحياً من أبرز المرشحين للعملية، مع إمكانية تقييم بعض المرضى ذوي الأعراض الأخف بشكل فردي أيضاً.
كيف يُقيَّم المريض قبل استئصال بطانة الشريان الرئوي؟
يتطلب استئصال بطانة الشريان الرئوي تقييماً دقيقاً قبل الجراحة لتحديد تشريح المرض وموقع الانسدادات والتخطيط للعملية بصورة مناسبة، ويراجع الفريق الطبي الفحوص القلبية والوعائية والصور الشعاعية بعناية، مع الانتباه بشكل خاص إلى وظيفة البطين الأيمن والحالة الدموية للمريض.
قد تشمل الفحوص السابقة للعملية:
- التصوير المقطعي المحوسب
- تخطيط صدى القلب (إيكو القلب)
- تصوير الأوعية الدموية
- تحاليل الدم
- تصوير الصدر بالأشعة السينية
- التصوير بالرنين المغناطيسي
التحضير لعملية استئصال بطانة الشريان الرئوي
يشرح الفريق الطبي للمريض وعائلته تفاصيل العملية قبل إجرائها، ويُطلب من المريض توقيع نموذج الموافقة بعد مناقشة الإجراء والإجابة عن الأسئلة المتعلقة به. كما يقدم الطبيب تعليمات محددة حول الأدوية والطعام والشراب والعادات التي قد تؤثر في الجراحة والتعافي. تشمل تعليمات التحضير عادةً:
- الأدوية: قد يُطلب إيقاف بعض مميعات الدم، مثل الأسبرين أو الوارفارين، وبعض مضادات الالتهاب غير الستيروئيدية بسبب زيادة خطر النزيف.
- الطعام والشراب: قد يُطلب الصيام قبل العملية لضمان أمان التخدير.
- التدخين والكحول: يُنصح بالإقلاع عن التدخين وتقليل تناول الكحول لأنهما قد يبطئان التعافي ويزيدان خطر المضاعفات.
كما يجري الفريق الطبي تحضيرات إضافية عند بدء العملية، مثل وضع خطوط شريانية وقثطرة للشريان الرئوي ومراقبة درجة الحرارة، مع استخدام تخطيط صدى القلب عبر المريء ووسائل المراقبة اللازمة أثناء الجراحة.
كيف تتم عملية استئصال بطانة الشريان الرئوي؟
تُجرى عملية استئصال بطانة الشريان الرئوي تحت التخدير العام، وتستغرق عادةً نحو ست ساعات. يعتمد الإجراء على استخدام جهاز القلب والرئة وخفض حرارة الجسم مؤقتاً، ما يتيح للجراح الوصول إلى الشرايين الرئوية وإزالة الانسدادات المزمنة منها بدقة.
وتتم العملية عادةً وفق الخطوات الآتية:
- التخدير والتنفّس الاصطناعي: يُخدّر المريض تخديراً عاماً، ثم يُوضع أنبوب تنفّس ويُوصل بجهاز التنفس الاصطناعي طوال الجراحة.
- الوصول إلى القلب والرئتين: يُجرى شق في الصدر ويُفتح عظم القص للوصول إلى القلب والشرايين الرئوية.
- استخدام جهاز القلب والرئة: يُوصل المريض بجهاز المجازة القلبية الرئوية الذي يتولى مؤقتاً ضخ الدم وتزويده بالأكسجين أثناء الجراحة.
- خفض درجة حرارة الجسم: تُخفض حرارة الجسم تدريجياً إلى نحو 18 درجة مئوية لحماية الأعضاء أثناء الفترات التي يُوقف فيها جريان الدم مؤقتاً.
- إزالة الانسدادات: يفتح الجراح الشرايين الرئوية ويبدأ استئصال الخثرات المزمنة من الشرايين الرئوية مع الأنسجة الندبية الملتصقة بجدرانها.
- إعادة الدورة الدموية ورفع الحرارة: بعد الانتهاء من إزالة الخثرات، يُعاد تشغيل الدورة الدموية ويُدفأ جسم المريض تدريجياً حتى يعود إلى درجة حرارته الطبيعية.
- إنهاء العملية وإغلاق الصدر: يُفصل المريض عن جهاز القلب والرئة بعد استقرار حالته، ثم يُغلق الصدر مع وضع أنابيب لتصريف السوائل الزائدة، بينما يبقى المريض موصولاً بجهاز التنفس الاصطناعي في الفترة المبكرة بعد الجراحة.

ماذا يحدث بعد استئصال بطانة الشريان الرئوي؟
بعد انتهاء استئصال بطانة الشريان الرئوي يُنقل المريض إلى وحدة العناية المركزة لمراقبة القلب والرئتين، ويكون غالباً ما يزال متصلاً بجهاز التنفس الاصطناعي. يُقيَّم التنفس بعد الجراحة ويُزال أنبوب التنفس عندما يصبح المريض قادراً على التنفس بصورة مستقلة، قد يحدث ذلك في اليوم التالي أو يستغرق عدة أيام بحسب الحالة. كما تبقى أنابيب تصريف الصدر في مكانها لبضعة أيام، ويبدأ المريض بالنهوض والمشي تدريجياً بعد استقرار حالته.
بعد استقرار حالته، يُنقل المريض من وحدة العناية المركزة إلى غرفة عادية في المستشفى، وتُجرى بعض الفحوص لتقييم القلب والرئتين وتحديد الحاجة إلى الأكسجين بعد الخروج. تختلف مدة الإقامة بحسب سرعة التعافي، وقد تتراوح من 7–10 أيام إلى أسبوعين أو أكثر في بعض الحالات.
التعافي بعد استئصال بطانة الشريان الرئوي
يستمر التعافي بصورة تدريجية بعد مغادرة المستشفى، وقد يحتاج المريض إلى عدة أشهر للعودة إلى روتينه المعتاد. تشمل أهم جوانب التعافي:
- زيادة النشاط البدني تدريجياً مع تشجيع المشي خلال فترة التعافي
- تجنب القيادة والعمل والأنشطة المجهدة خلال الأسابيع الأولى وفق تعليمات الطبيب
- احتمال الحاجة إلى الأكسجين مؤقتاً لعدة أشهر أثناء تعافي الرئتين
- العودة إلى النشاطات المعتادة لدى معظم المرضى خلال نحو ثلاثة أشهر
- إجراء زيارات وفحوص متابعة عادةً بعد 6 أسابيع ثم بعد 3–6 أشهر
- الاستمرار في تناول مميعات الدم مدى الحياة للوقاية من تشكل خثرات جديدة
- إمكانية استمرار تحسن التنفس والقدرة على ممارسة النشاط البدني لفترة طويلة بعد الجراحة
نتائج وفوائد استئصال بطانة الشريان الرئوي
يُعد استئصال بطانة الشريان الرئوي العلاج الوحيد القادر على تحقيق الشفاء من ارتفاع ضغط الدم الرئوي الخثاري المزمن (CTEPH) لدى المرضى المناسبين للجراحة، إذ تساعد إزالة الانسدادات المزمنة على تحسين تدفق الدم عبر الشرايين الرئوية وتخفيف العبء الواقع على الجانب الأيمن من القلب. تشمل أبرز فوائد ونتائج العملية:
- تحسن التنفس ووظائف الرئتين والقدرة على ممارسة النشاط
- انخفاض الحاجة إلى الأكسجين لدى كثير من المرضى الذين كانوا يستخدمونه قبل الجراحة
- تحسن وظيفة الجانب الأيمن من القلب، وقد تتراجع التغيرات الناتجة عن زيادة العبء عليه
- تحسن القدرة على ممارسة التمارين والنشاط البدني، ويظهر جزء مهم من هذا التحسن خلال الأشهر الأولى بعد الجراحة
- تحقيق نتائج جيدة على المدى الطويل ومعدلات بقاء مرتفعة بعد الجراحة، ولا سيما عند إجرائها في المراكز ذات الخبرة

مخاطر ومضاعفات استئصال بطانة الشريان الرئوي
يُعد استئصال بطانة الشريان الرئوي جراحة كبرى ولذلك قد يرتبط ببعض المضاعفات أثناء العملية أو بعدها، وتختلف درجة الخطورة بحسب شدة المرض والحالة الصحية العامة للمريض. من أبرز المضاعفات المحتملة:
- أذية الرئة الناتجة عن إعادة التروية: قد تحدث بعد عودة تدفق الدم إلى أجزاء الرئة التي كانت تعاني من انسداد مزمن، وقد تترافق مع وذمة رئوية.
- استمرار ارتفاع ضغط الدم الرئوي: قد يبقى لدى بعض المرضى بعد الجراحة وقد يتطلب علاجاً إضافياً.
- النزيف: قد يحدث أثناء الجراحة أو بعدها، وقد يستدعي تدخلاً إضافياً في بعض الحالات.
- اضطرابات نظم القلب: قد تظهر بعد العملية، وتكون مؤقتة وقابلة للعلاج في كثير من الحالات.
- العدوى: قد تصيب الشق الجراحي بعد العملية.
- المضاعفات العصبية: مثل السكتة الدماغية أو النزف داخل الجمجمة، وهي أقل شيوعاً.
- الحاجة إلى دعم مؤقت للقلب والرئتين: قد تستدعي بعض الحالات الشديدة استخدام جهاز الأكسجة الغشائية خارج الجسم (ECMO).
يقيّم الفريق الجراحي هذه المخاطر قبل العملية ويوازن بينها وبين الفوائد المتوقعة لكل مريض على حدة.
في الختام، يمثل استئصال بطانة الشريان الرئوي علاجاً جراحياً متخصصاً لمرضى ارتفاع ضغط الدم الرئوي الخثاري المزمن الذين تتناسب حالتهم مع الجراحة، إذ يهدف إلى إزالة الخثرات المزمنة التي تعيق تدفق الدم داخل الشرايين الرئوية وتخفيف العبء الواقع على القلب والرئتين. يمكن أن يؤدي نجاح العملية إلى تحسن واضح في التنفس والقدرة على النشاط وجودة الحياة، بينما يساهم التقييم الدقيق قبل الجراحة واختيار المريض المناسب والمتابعة المنتظمة بعدها في تحقيق أفضل النتائج الممكنة وتقليل خطر المضاعفات على المدى الطويل.
المصادر:
