شهد مجال الطب في السنوات الأخيرة تطورًا متسارعًا، خصوصًا مع ظهور تقنيات علاجية حديثة تجمع بين الدقة والفعالية وتقليل التدخل الجراحي، وتأتي الأشعة التداخلية في مقدمة هذه التطورات، إذ تتيح تنفيذ العديد من الإجراءات العلاجية عبر قثاطر وأدوات دقيقة، مع الاستفادة من تقنيات التصوير للوصول إلى المناطق المستهدفة بأقل قدر ممكن من التدخل.
ومن بين أبرز تطبيقات الأشعة التداخلية في علاج أمراض الكبد ومضاعفاتها، تبرز التحويلة البابية الجهازية داخل الكبد عبر الوداجي (TIPS) كإجراء متقدم يمكن أن يوفر خيارًا علاجيًا مهمًا للعديد من المرضى الذين يعانون من مضاعفات ارتفاع ضغط الدم البابي.
ما هو ارتفاع ضغط الدم البابي؟
يُعد ارتفاع ضغط الدم البابي من أهم المضاعفات المرتبطة بأمراض الكبد المزمنة، ويحدث نتيجة زيادة مقاومة تدفق الدم عبر الكبد، وغالبًا ما يرتبط بتليف الكبد وتشمّعه، وقد يؤدي ارتفاع الضغط في الوريد البابي إلى ظهور مضاعفات مهمة، مثل دوالي المريء والمعدة، والاستسقاء وضخامة الطحال، وقد يسبب نزيفًا هضميًا خطيرًا في بعض الحالات.
يعتمد العلاج على سبب ارتفاع الضغط البابي وشدة الحالة والمضاعفات الناتجة عنه، وقد يشمل استخدام حاصرات بيتا غير الانتقائية للحد من خطر النزيف من الدوالي، إلى جانب التنظير وربط الدوالي عند الحاجة، ومدرات البول وعلاجات أخرى للسيطرة على الاستسقاء، وفي الحالات التي لا تستجيب للعلاج الدوائي أو عند وجود بعض المضاعفات الشديدة، قد نلجأ لإجراء التحويلة TIPS لتوفير مسار بديل لتدفق الدم، مما يساعد على خفض الضغط داخل الجهاز البابي والسيطرة على بعض مضاعفاته.
ما هي التحويلة البابية الجهازية داخل الكبد عبر الوداجي (TIPS)؟
التحويلة البابية الجهازية داخل الكبد عبر الوداجي (TIPS) هي إجراء طفيف التوغل يُجرى بإدخال قثطرة تحت توجيه وسائل التصوير لإنشاء اتصال بين وريد الباب والوريد الكبدي، ويسمح هذا المسار بتخفيف الضغط عن الجهاز البابي و الكبد المتضرر، بحيث يعود الدم إلى القلب بسهولة أكبر، ويتم وضع جهاز معدني صغير يُعرف باسم الدعامة (stent) للحفاظ على هذا المسار مفتوحًا، مما يؤدي لتقليل خطر حدوث النزف الداخلي من دوالي المعدة والمريء، كما قد يساعد الإجراء على تقليل تراكم السوائل في البطن أو حول الرئتين.
كيف يتم إجراء التحويلة TIPS؟
تُجرى التحويلة TIPS بواسطة طبيب الأشعة التداخلية تحت توجيه التنظير التألقي والتصوير الوعائي، مع الاستعانة بالموجات فوق الصوتية لتوجيه الوصول إلى الأوعية الدموية، يبدأ الإجراء عادةً بالوصول إلى الوريد الوداجي الداخلي الأيمن عبر الرقبة، ثم تُوجَّه القثطرة عبر الأوعية الدموية حتى تصل إلى أحد الأوردة الكبدية وغالبًا ما يكون الوريد الكبدي الأيمن أو المتوسط، ومن خلال القثطرة، يتم إنشاء مسار داخل نسيج الكبد يصل بين الوريد الكبدي والوريد البابي، ثم توضع دعامة معدنية للحفاظ على هذا المسار مفتوحًا والسماح بمرور الدم من خلاله، كما يتم قياس الضغوط الوريدية قبل وبعد إنشاء التحويلة للتأكد من انخفاض الضغط البابي وتحقيق التأثير العلاجي المطلوب.
يتم الإجراء عادةً تحت التهدئة الواعية أو العميقة أو التخدير العام، وبعد التأكد بالتصوير من انفتاح التحويلة وسريان الدم عبرها، تُزال القثطرة والأدوات المستخدمة، بينما تبقى الدعامة في مكانها داخل الكبد، يستغرق إجراء التحويلة TIPS عادةً ساعة إلى ساعتين، لكنه قد يستغرق عدة ساعات في الحالات الأكثر تعقيدًا، تبعًا لحالة المريض وتشريح الأوعية الدموية.
المرضى المرشحون لإجراء التحويلة TIPS
يُحدد ترشيح المريض لإجراء تحويلة TIPS بعد تقييم شامل لحالته الصحية ووظائف الكبد والقلب والأوعية الدموية، تشمل الحالات التي قد تستدعي النظر في إجراء التحويلة البابية الجهازية داخل الكبد عبر الوداجي ما يلي:
- نزيف دوالي المريء أو المعدة، خاصةً عندما لا يستجيب النزيف للعلاج الدوائي أو التنظيري المناسب.
- اعتلال المعدة البابي الذي قد يؤدي إلى نزيف شديد.
- الاستسقاء الشديد أو المقاوم للعلاج، أي تراكم السوائل في البطن رغم العلاج.
- الاستسقاء الصدري الكبدي، وهو تراكم السوائل في التجويف الصدري المرتبط بأمراض الكبد.
- متلازمة بود-كياري، التي تنتج عن انسداد أو تضيق في مسار تصريف الدم الوريدي من الكبد.

المرضى المستبعدين أو غير المناسبين لإجراء التحويلة TIPS
على الرغم من أن التحويلة البابية الجهازية داخل الكبد عبر الوداجي (TIPS) قد تكون إجراءً منقذًا للحياة ومخففًا للأعراض عند العديد من المرضى الذين يعانون من ارتفاع ضغط الدم البابي وأمراض كبدية مزمنة، إلا أنها قد تُستبعد وتعتبر عالية الخطورة في بعض الحالات ومنها:
- فشل القلب الشديد.
- ارتفاع ضغط الدم الرئوي الشديد.
- العدوى الجهازية غير المضبوطة.
- خلل شديد في وظائف الكبد أو الفشل الكبدي المتقدم جدًا الذي قد يرفع خطر الوفاة بعد الإجراء.
- الاعتلال الدماغي الكبدي الشديد أو المتكرر، إذ يمكن أن يتفاقم بعد إجراء التحويلة.
ما هي فوائد إجراء التحويلة البابية الجهازية داخل الكبد عبر الوداجي (TIPS)؟
تحقق التحويلة TIPS تأثيرًا مشابهًا للتحويلة الجراحية، ولكن دون المخاطر المرتبطة بالجراحة المفتوحة، إذ لا تتطلب إجراء شق جراحي كبير وتحتاج لفترة تعافٍ أقصر مقارنة بالجراحة التقليدية، وتحافظ على إمكانية أكبر لإجراء زراعة الكبد مستقبلًا، لأن البطن لا يتم فتحه وبالتالي لا تتشكل ندبات جراحية قد تجعل عملية الزراعة أكثر صعوبة، كما أن الدعامة التي تحافظ على بقاء التحويلة مفتوحة تبقى بالكامل داخل الكبد المصاب، ويمكن إزالتها مع الكبد أثناء عملية زراعة الكبد، وقد أظهرت الدراسات أن الإجراء ينجح في تقليل نزيف الدوالي لدى أكثر من 90% من المرضى.
ما هي مخاطر ومضاعفات إجراء التحويلة البابية الجهازية داخل الكبد عبر الوداجي (TIPS)؟
أمّا بالنسبة للمخاطر والمضاعفات المرتبطة بإجراء التحويلة، فيعد تفاقم أو ظهور الاعتلال الدماغي الكبدي من أبرزها، أمّا باقي المضاعفات فهي نادرة وتشمل احتمال حدوث العدوى، إضافةً إلى احتمال حدوث تفاعل تحسسي تجاه المادة الظليلة المستخدمة في تصوير الأوردة أو تأثر وظائف الكلى بها، خاصةً لدى المرضى الذين يعانون من ضعف كلوي مسبق، كما قد تحدث إصابة في الأوعية الدموية أو كدمات ونزيف في موضع إدخال القثطرة، إضافةً إلى الحمى وتيبس عضلات الرقبة والكدمات في موضع القثطرة، أو حدوث تضيق متأخر داخل الدعامة.
ما بعد إجراء التحويلة TIPS
بعد إجراء التحويلة البابية الجهازية داخل الكبد عبر الوداجي (TIPS)، يُنقل المريض إلى وحدة المراقبة لمتابعة علاماته الحيوية ووظائف الكبد والتأكد من سلامة التحويلة، وقد يحتاج إلى البقاء في المستشفى لفترة قصيرة وفقًا لحالته الصحية وسبب إجراء التحويلة، تتراوح غالبًا بين اليومين إلى الأسبوع أو أكثر إذا دعت الحاجة لذلك، يراقب الفريق الطبي بشكل خاص ظهور مضاعفات محتملة، مثل النزف، العدوى، تدهور وظائف الكبد أو الاعتلال الدماغي الكبدي، مع إعطاء العلاج المناسب عند الحاجة، كما تُجرى فحوصات تصويرية دورية، عادةً باستخدام التصوير بالموجات فوق الصوتية مع دوبلر، للتأكد من بقاء التحويلة مفتوحة وعملها بصورة صحيحة، ويستمر المريض في المتابعة المنتظمة مع الطبيب لضبط الأدوية ومراقبة وظائف الكبد والكشف المبكر عن أي مضاعفات.
وفي الختام، يُعد إجراء التحويلة البابية الجهازية داخل الكبد عبر الوداجي (TIPS) من الإجراءات التداخلية المتقدمة التي أحدثت نقلة نوعية في علاج بعض مضاعفات ارتفاع ضغط الدم البابي، إذ يوفر خيارًا فعالًا وأقل توغلًا للسيطرة على حالات قد تكون صعبة العلاج بالطرق التقليدية أو غير مستجيبة عليه، ومع اختيار المريض المناسب وإجراء التحويلة وفق تقييم طبي دقيق، يمكن أن تسهم في تخفيف الأعراض والحد من خطر بعض المضاعفات، مما يساعد على تحسين جودة حياة المريض، وتبقى المتابعة الطبية المنتظمة بعد الإجراء والالتزام بتعليمات الطبيب من العوامل الأساسية للحفاظ على فعالية التحويلة وتحقيق أفضل النتائج العلاجية المرجوة.
المصادر:
- Saltini, D., Indulti, F., Guasconi, T., Bianchini, M., Cuffari, B., Caporali, C., Casari, F., Prampolini, F., Senzolo, M., Colecchia, A., & Schepis, F. (2023). Transjugular intrahepatic portosystemic shunt: Devices evolution, technical tips and future perspectives. Journal of Clinical Medicine, 12(21), 6758.
- (2026, July 15). Transjugular intrahepatic portosystemic shunt (TIPS)
- .American Liver Foundation. (2023, August 17). Transjugular intrahepatic portosystemic shunt (TIPS)
- .Amesur, N. B., & Novelli, P. (2023). Transjugular intrahepatic portosystemic shunt. In StatPearls. StatPearls Publishing
