تؤثر بعض أمراض الصدر في قدرة الرئة على التمدد وأداء وظيفتها بصورة طبيعية، وقد تسبب ضيق التنفس وألماً في الصدر أو استمرار الالتهاب لفترة طويلة. تختلف شدة هذه الحالات بحسب سببها ومرحلتها، كما تختلف طرق علاجها من مريض إلى آخر وفق نتائج الفحوصات والتصوير.
قد تكفي الأدوية أو إجراءات التصريف لعلاج بعض الحالات، بينما يحتاج بعضها الآخر إلى تدخل جراحي عند استمرار المشكلة أو عدم تحسن وظيفة الرئة. يُعد تقشير الرئة بالمنظار أحد الخيارات الجراحية التي يمكن اللجوء إليها في الحالات المناسبة بعد تقييم المريض من قبل جراح الصدر.
ما هو تقشير الرئة بالمنظار؟
تقشير الرئة بالمنظار هو إجراء جراحي يُستخدم لإزالة طبقة ليفية سميكة وغير طبيعية من سطح الرئة، وقد تشمل الأنسجة المحيطة بها مثل جدار الصدر أو الحجاب الحاجز. يجري الجراح العملية عبر شقوق صغيرة في الصدر، يُدخل من خلالها كاميرا وأدوات جراحية دقيقة لإزالة هذه الطبقة وتحرير الرئة، بما يسمح لها بالتمدد بصورة أفضل أثناء التنفس.
دواعي إجراء تقشير الرئة بالمنظار
يُجرى تقشير الرئة بالمنظار عندما تتكوّن قشرة ليفية سميكة حول الرئة فتمنعها من التمدد بصورة طبيعية وتسبب أعراضاً تنفسية واضحة. يحدث ذلك غالباً في حالات الدبيلة الجنبية المزمنة، وهي تجمع القيح داخل الحيز الجنبي المحيط بالرئة، أو عند وجود تجمع دموي مزمن داخل هذا الحيز أو تليف غشاء الجنب وانحباس الرئة، كما قد يُستخدم في بعض حالات الأورام الجنبية أو الالتهابات المزمنة التي تؤدي إلى التصاقات وتثخن الأنسجة المحيطة بالرئة.
يُفكّر الطبيب في العملية عادةً عندما لا تنجح الإجراءات الأبسط، مثل تصريف السوائل أو القيح بواسطة الإبرة أو أنبوب الصدر، أو عندما تُظهر الصور الشعاعية بقاء الرئة محاصرة وعدم قدرتها على التمدد. يعتمد اختيار الجراحة بالمنظار على طبيعة الحالة ودرجة سماكة القشرة الليفية، إضافة إلى الحالة العامة للمريض وتقييم جراح الصدر.

الفحوصات والتحضير قبل تقشير الرئة بالمنظار
يبدأ التحضير للعملية بمراجعة التاريخ الطبي للمريض، بما في ذلك التدخين السابق أو الحالي، والتعرض للعلاج الإشعاعي أو الأسبستوس، ثم تقييم قدرة القلب والرئتين على تحمل الجراحة. يحدد الطبيب الفحوصات اللازمة بحسب حالة المريض وطبيعة المشكلة، وقد تشمل:
- صورة شعاعية للصدر وتصوير مقطعي محوسب لتحديد سماكة القشرة الليفية ودرجة انحباس الرئة وحالة النسيج الرئوي
- اختبارات وظائف الرئة لتقييم كفاءة التنفس
- تخطيط صدى القلب (إيكو القلب) أو اختبار الجهد للتأكد من القدرة على تحمل الجراحة
- تعداد الدم الكامل واختبارات التخثر وفحوصات وظائف الكبد والكلى والتحري عن العدوى
- تنظير القصبات للتأكد من سلامة الطرق الهوائية عند الحاجة
- التصوير بالرنين المغناطيسي أو تنظير الصدر وأخذ عينات نسيجية عند الاشتباه بوجود ورم
قد تُجهّز كذلك وحدات دم متوافقة قبل العملية تحسباً لاحتمال حدوث نزف أثناء إزالة القشرة الليفية.
كيف تتم عملية تقشير الرئة بالمنظار؟
تُجرى عملية تقشير الرئة باستخدام تنظير الصدر بمساعدة الفيديو (VATS) تحت التخدير العام، وعادةً من خلال ثلاثة شقوق صغيرة في جدار الصدر؛ يُخصّص أحدها لإدخال الكاميرا، بينما تُدخل الأدوات الجراحية من الشقوق الأخرى. قد يكتفي الجراح أحياناً بشق واحد، أو يحتاج إلى منفذ إضافي لتحسين الرؤية أو شفط الدم والسوائل.
بعد اكتمال التحضير، تتم العملية وفق الخطوات الآتية:
- إدخال المنظار إلى الحيز الجنبي مع الاستعانة بالتصوير المقطعي لتحديد منطقة الدخول المناسبة
- شفط القيح أو السوائل وتنظيف جوف الصدر من الأنسجة التالفة
- تفكيك الالتصاقات والحواجز التي تقسم التجمعات داخل الحيز الجنبي
- إزالة القشرة الليفية تدريجياً من سطح الرئة وغشاء الجنب باستخدام أدوات دقيقة
- تبديل موضع الكاميرا عند الحاجة للوصول إلى مختلف أجزاء جوف الصدر
- التأكد من تحرر الرئة وقدرتها على التمدد، ومعالجة أي تسرب للهواء إن وُجد
- غسل جوف الصدر ووضع أنبوبين للتصريف عبر الشقوق الجراحية
- إخراج المنظار وإغلاق الشقوق
تستغرق العملية عادةً أكثر من ساعتين، إلا أن مدتها تختلف بحسب سماكة القشرة الليفية ومدى انتشار الالتصاقات. قد تستغرق الجراحة بالمنظار وقتاً أطول في بعض الحالات، لأن القشرة تُزال على أجزاء صغيرة لتتمكن من المرور عبر الشقوق المحدودة.

التعافي بعد تقشير الرئة بالمنظار
يخضع المريض بعد تقشير الرئة بتنظير الصدر بمساعدة الفيديو للمراقبة المكثفة خلال الساعات الأولى، وقد يبقى في وحدة العناية المركزة أو وحدة المراقبة لمدة تتراوح بين 12 و24 ساعة بحسب حالته. قد يحتاج بعض المرضى إلى أنبوب للتنفس لمدة 24 – 48 ساعة، بينما يستطيع معظمهم التنفس باستخدام قناع الأكسجين أو القنية الأنفية.
تبقى أنابيب الصدر عادةً لمدة لا تقل عن 48 ساعة لتصريف السوائل ومراقبة تسرب الهواء، وتُزال عندما يصبح السائل صافياً وتنخفض كميته إلى أقل من 50 مل يومياً. تشمل الرعاية بعد العملية:
- تسكين الألم باستخدام التخدير فوق الجافية أو حصار الأعصاب أو المسكنات
- إعطاء المضادات الحيوية والسوائل والدعم الغذائي عند الحاجة
- إجراء صورة شعاعية للصدر لمتابعة تمدد الرئة
- مراقبة مستوى الأكسجين وغازات الدم في بعض الحالات
- تمارين التنفس والعلاج الفيزيائي للصدر
- الحركة المبكرة للمساعدة على التعافي والوقاية من المضاعفات
يمكن للمريض مغادرة المستشفى خلال 48 – 72 ساعة بعد الجراحة بالمنظار إذا كانت حالته مستقرة وأُزيلت أنابيب الصدر وأصبح قادراً على تناول الطعام. تُجرى المراجعة الأولى عادةً خلال 5–7 أيام بعد الخروج لفحص الجرح والتأكد بالتصوير من تمدد الرئة وعدم وجود هواء أو سوائل حولها.
نتائج وفوائد تقشير الرئة بالمنظار
يساعد تقشير الرئة بالمنظار على استعادة تمدد الرئة بعد إزالة القشرة الليفية التي تقيّد حركتها، مما يحسن مرونتها وكفاءة التهوية وتبادل الغازات، وقد يؤدي إلى تخفيف ضيق التنفس وتحسن القدرة على بذل الجهد. كما يمكن أن تظهر بعد العملية زيادة قابلة للقياس في بعض مؤشرات وظائف الرئة، مثل السعة الحيوية القسرية وحجم الزفير القسري خلال الثانية الأولى، إضافة إلى تقليل المساحة المتبقية حول الرئة التي قد تتجمع فيها السوائل أو تستمر فيها العدوى.
تعتمد درجة التحسن على سلامة النسيج الرئوي الأساسي وشدة المرض؛ لذلك تكون النتائج عادةً أفضل لدى المرضى الذين يعانون تليفاً جنبياً واضحاً مع بقاء وظيفة الرئة نفسها محفوظة نسبياً.
مخاطر ومضاعفات تقشير الرئة بالمنظار
قد تحدث بعض المضاعفات أثناء تقشير الرئة بالمنظار أو بعده، وتختلف احتمالاتها بحسب شدة المرض وحالة الرئة وخبرة الفريق الجراحي. تشمل أبرز المخاطر:
- تسرب الهواء المستمر من الرئة، وغالباً يلتئم خلال عدة أيام، لكنه قد يحتاج إلى خياطة أو تدخل إضافي إذا كان كبيراً
- النزف من سطح الرئة أو غشاء الجنب أو الأوعية الدموية أثناء إزالة الالتصاقات، وقد يستدعي نقل الدم في بعض الحالات
- عدم تمدد الرئة بصورة كاملة أو استمرار انخماص جزء منها، خاصةً إذا كان النسيج الرئوي متضرراً
- العدوى أو بقاء تجمع قيحي داخل الحيز الجنبي، ما قد يؤدي في الحالات الشديدة إلى الإنتان
- تجمع السوائل أو الهواء حول الرئة بعد العملية
- إصابة الأنسجة أو الأعضاء المجاورة، مثل الحجاب الحاجز أو المريء أو التامور أو الأوعية الدموية
- الناسور القصبي الجنبي، وهو اتصال غير طبيعي بين الطرق الهوائية والحيز الجنبي مما يؤدي بالنتيجة إلى تسرب هوائي كبير ومستمر
- المضاعفات التنفسية والحاجة إلى دعم التنفس فترة أطول، خصوصاً لدى المرضى الذين يعانون ضعفاً سابقاً في وظائف الرئة
تساعد المراقبة الدقيقة لأنابيب الصدر، والتصوير الشعاعي، والعلاج التنفسي بعد العملية على اكتشاف هذه المضاعفات ومعالجتها مبكراً.
تقشير الرئة بالمنظار مقارنة بالجراحة المفتوحة
تختلف طريقة تقشير الرئة المناسبة بحسب مرحلة المرض وسماكة القشرة الليفية ومدى انتشار الالتصاقات، ويوضح الجدول الآتي أبرز الفروق بين التقشير بالمنظار والجراحة المفتوحة:
| عنصر المقارنة | تقشير الرئة بالمنظار (VATS) | تقشير الرئة بالجراحة المفتوحة |
|---|---|---|
| طريقة الوصول | شقوق صغيرة تُدخل عبرها الكاميرا والأدوات الجراحية | شق صدري أكبر يتيح الوصول المباشر إلى الرئة |
| الحالات المناسبة | يناسب غالباً الحالات الأقل تعقيداً أو المختارة بعناية | يناسب الحالات المتقدمة والقشرة الليفية السميكة والالتصاقات الواسعة |
| الألم بعد العملية | أقل عادةً | أكثر عادةً بسبب اتساع الشق |
| الإقامة والتعافي | إقامة أقصر وتعافٍ أسرع غالباً | إقامة وتعافٍ أطول نسبياً |
| إمكانية إزالة القشرة | قد تصعب إزالة القشرة الشديدة السماكة عبر الشقوق الصغيرة | يوفر مجالاً أوسع لإزالة القشرة والالتصاقات المعقدة |
| النتائج | فعّال لدى المرضى المناسبين وقد يحقق نتائج مماثلة للجراحة المفتوحة | فعّال خصوصاً في الحالات المعقدة والمتقدمة |
ختاماً، يُعد تقشير الرئة بالمنظار خياراً جراحياً مهماً لتحرير الرئة المقيدة واستعادة قدرتها على التمدد لدى المرضى المناسبين، ويساعد استخدام تنظير الصدر بمساعدة الفيديو (VATS) على إجراء التقشير عبر شقوق محدودة مقارنة بالجراحة المفتوحة، مع إمكانية تحقيق تعافٍ أسرع في الحالات الملائمة. يبقى نجاح العلاج مرتبطاً بالتشخيص الدقيق، واختيار التوقيت والطريقة الجراحية المناسبة، وخبرة جراح الصدر في التعامل مع كل حالة.
المصادر: