تُعد متلازمة الأورام الصماويّة المتعددة (MEN) مجموعة نادرة من الاضطرابات الوراثية التي تؤدي إلى ظهور أورام في أكثر من غدة من غدد جهاز الغدد الصم في الجسم، وقد تحدث هذه الاضطرابات في غددًا مهمة مثل جارات الدرق والبنكرياس والغدة النخاميّة والغدة الدرقيّة والغدد الكظريّة، وتختلف الأعراض والمضاعفات باختلاف نوع المتلازمة والغدد المتأثرة.
ورغم ندرتها، فإن اكتشاف المتلازمات الصماوية المتعددة في وقت مبكر يمكن أن يساعد على مراقبة الأورام والاضطرابات الهرمونية وعلاجها قبل حدوث مضاعفات خطيرة. كما أن طبيعتها الوراثية تجعل الاستشارة والفحوصات الجينية جزءًا مهمًا من تقييم المريض وأفراد عائلته.
ما هي متلازمة الأورام الصماويّة المتعدّدة (MEN)؟
إنّ الغدد الصمّاء معرضة كغيرها من أنسجة الجسم لخطر الإصابة بالأورام، وعند تشخيص مظاهر ورميّة في أكثر من غدّة صماّء يسمى بالمتلازمة الصمّاوية المتعدّدة (MEN)، بعض هذه الأورام يكون حميداً وبعضها الآخر خبيث، وتنشأ الأورام بسبب التكاثر العشوائي للخلايا نتيجة لخلل ما على المستوى الجيني يؤثر بشكل مباشر على عمليّة الانقسام، حيث في بعض الحالات يزداد حجم الغدّة ويحدث فيها فرط نشاط، وبالتالي زيادة التأثير الهرموني عن الحد الطبيعي مما يؤدي لظهور أعراض مختلفة تؤثرعلى استقرار الجسم، وفي حال تفاقم هذا التأثير يمكن أن تكون الحالة مهدّدة للحياة.

أنواع متلازمة الأورام الصماويّة المتعددة (MEN)
يوجد للمتلازمة الصماويّة المتعددة ثلاث أنواع رئيسيّة، وفي كل نوع تصاب غدد معينّة دون غيرها، ويمكن ذكر الأنواع كما يلي:
- المتلازمة الصماويّة المتعددة النمط الأول (MEN 1): تسمى أيضاً متلازمة ويرمر، وهي حالة وراثيّة نادرة، تصيب الأورام فيها بشكل رئيسي الغدد جارات الدرق، السبيل الهضمي أو البنكرياس، الغدة النخاميّة، كما يمكن أن تنشأ الأورام من أنسجة أخرى في الجسم كالاورام الشحمية، وأورام الثدي، عادةً ماتكون هذه الأورام في هذا النوع حميدة، لكنّها في بعض الحالات تكون أوراماً خبيثة وتعطي نقائل إلى أعضاء أخرى.
- المتلازمة الصماويّة المتعدد النمط الثاني (MEN 2): أيضاً هي حالة وراثيّة نادرة، ويوجد لها نوعين A و B، وتكون على النحو الآتي:
- MEN 2A: جميع الأشخاص المصابين بهذا النوع من متلازمة الأورام الصماويّة المتعدّدة تحدث لديهم إصابة بسرطان الغدة الدرقيّة من النوع النخاغي (MTC)، بالإضافة لظهور أورام في الغدد جارات الدرق، وورم القواتم في الغدة الكظريّة.
- MEN 2B: يتشابه هذا النوع مع النوع السابق في إصابة الغدة الدرقيّة بالسرطان النخاعي (MTC)، وإصابة الغدة الكظريّة بورم القواتم، ، بالإضافة لظهور أورام عصبيّة مخاطيّة وهي علامة مميزة لهذا النوع ويكون الاختلاف في أنّ هذه النوع لايسبب ورماً في الغدد جارات الدرق.

أسباب الإصابة بمتلازمة الأورام الصماويّة المتعددة (MEN)
تصيب متلازمة الأورام الصماويّة المتعدّدة (MEN) كلا الجنسين بشكل متساوي، كما يمكن أن تظهر الأعراض في أيّ عمر، وينجم كلا النوعين (MEN1 و MEN2) عن طفرات جينيّة، قد تنتقل هذه الطفرات بشكل موروث من أحد الأبوين، إذ يبلغ خطر إصابة الأبناء لدى أباء مصابين 50%، كما يمكن أن تحدث الإصابة دون ارتباط مع مؤهبات أبويّة على مستوى الجنين أثناء تطوره داخل الرحم.
ينجم النوع الأول من المتلازمة الصماوية المتعددة (MEN1) عن طفرات في جين يسمّى MEN1. ويُعد جين MEN1 جينًا مثبطًا للأورام، أي أنّه يساعد على منع تشكل الأورام من خلال التحكم في انقسام الخلايا وإعطاء الخلايا التعليمات اللازمة للموت عند انتهاء عمرها الطبيعي، وهي عمليّة طبيعية في الجسم. وعندما يحدث خلل في الجينات المثبطة للأورام، مثل جين MEN1، قد تستمر بعض الخلايا في النمو والتكاثر بشكل غير طبيعي، مما يؤدي إلى تشكل الأورام.
أمّا النوع الثاني من متلازمة الأورام الصماويّة المتعدّدة (MEN2) فينجم عن طفرات في جين يدعى RET، وهو جين ينظّم في الحالة الطبيعيّة تكاثر وانقسام الخلايا، أمّا الطفرات على مستوى جين RET فتؤدي إلى نمو الخلايا بشكل غير منضبط، مما قد يتسبب في تشكل الأورام في بعض الأعضاء والغدد.
أعراض الإصابة بمتلازمة الأورام الصماويّة المتعدّدة (MEN)
إنّ كلّ هرمون في جسم الإنسان يقوم بوظيفة معيّنة، تنشّط على سبيل المثال هرمونات الغدّة الدرقيّة (T3 و T4) الاستقلاب في الجسم، حيث تنظّم عمليّات الهدم والبناء وعمليات توليد الحرارة واستهلاك الطاقة، يحافظ كل هرمون على تركيز معيّن له في الدم، قد يرتفع هذا التركيز في بعض الحالات بشكل طبيعي ويسمّى ارتفاعاً فيزيولوجياً، ويكون هذا الارتفاع ناجماً بشكل أساسي عن زيادة حاجة الجسم لهذا الهرمون (يرتفع تركيز هرمون النمو أثناء البلوغ مثلاً)، بينما تؤدّي الزيادة المرضيّة في تركيز الهرمون لزيادة تأثيره وبالتالي ظهور أعراض ناجمة عن فرط نشاطه (زيادة إفراز هرمون النمو بشكل مرضي يسبب عند الأطفال مرض العملقة مثلاً)، وإنّ تعدّد الغدد المصابة في متلازمة الأورام الصماويّة المتعدّدة (MEN) يؤدي لظهور طيف واسع من الأعراض التي تختلف بحسب نوع المتلازمة ونوع الأورام التي سببتها، ويمكن دراسة الأعراض على النحو الآتي:
أعراض مترافقة مع الإصابة بالمتلازمة من النوع MEN 1
- أعراض ناجمة عن إصابة الغدد جارات الدرق: تفرز هذه الغدد هرمون يسمى الباراثورمون، يكون مسؤول عن تنظيم مستوى الكالسيوم في الدم وإن اضطراب تركيز هذا الهرمون في الدم يسبّب:
- ألم في المفاصل
- ضعف في العضلات
- تعب
- اكتئاب
- غياب شهيّة
- غثيان واقياء
- إمساك
- أعراض ناجمة عن إصابة البنكرياس: يحتوي البنكرياس على عدة أنواع من الخلايا الغديّة، كل منها يفرز هرمونا معين (الخلايا ألفا تفرز هرمون الغلوكاغون، الخلايا بيتا تفرز هرمون الأنسولين، والخلايا دلتا تفرز هرمون السوماتوستاتين)، ويمكن أن يحدث الورم على حساب أيّ نوع من هذه الخلايا، لكنّ أشيع الأورام تصيب الخلايا بيتا المفرزة للأنسولين (هرمون مهم في عملية ضبط مستوى سكر الدم) وتكون الأعراض ناجمة عن نقص السكر، ومنها:
- التشويش الذهني
- التعرّق
- الشعور بالجوع
- اضطرابات رؤية
- الشعور بخفقان في القلب
- أعراض ناجمة عن إصابة السبيل الهضمي: في 40% من الحالات في هذا النوع، يتطور لدى المرضى نوع من الأورام يسمى الورم المفرز للغاسترين، والغاسترين هو هرمون يفرز من الخلايا G في المعدة وينّظم درجة حموضتها، وإنّ الزيادة في إفراز هذا الهرمون كما في هذا النوع من المتلازمة يسبب:
- قرحات معديّة
- ألم بطني
- إسهال
- أعراض ناجمة عن إصابة الغدة النخامية: حيث تعتبر الغدة النخاميّة أهم غدة صماء في جسم الإنسان لأنها تنظّم عمل الغدد الصم الأخرى من خلال إفرازها العديد من الهرمونات كهرمون النمو، والهرمون المحفّز للغدة الدرقيّة، وإن أشيع الأورام التي تصيب هذه الغدة في سياق الإصابة بمتلازمة الأورام الصماوية المتعدد هي الأورام المفرزة للبرولاكتين (هرمون الحليب) وإن زيادة إفراز هذا الهرمون يسبب:
- اضطرابات في الدورة الطمثيّة
- انتاج الحليب من الثدي عند الإناث
- تثدّي عن الذكور
- عقم
- مشاكل عصبية ولاسيما في الرؤية ناجمة عن ازدياد حجم الغدة النخاميّة
أعراض مترافقة مع الإصابة بالمتلازمة من النوع MEN 2
إن كلّ المصابين بهذا النوع من المتلازمة يظهر لديهم سرطان الغدة الدرقيّة من النوع النخاعي (MTC)، والذي يسبب ظهور الأعراض:
- كتلة مترافقة مع ألأم في الرقبة
- ضيق تنفّس
- مشاكل في الصوت كالبحّة
- مشاكل في البلع
كما تظهر أعراض أخرى في حال إصابة الغدد الكظريّة بورم القواتم، وتكون الأعراض في هذه الحالة ناجمة عن زيادة إفراز هرمونات لب الكظر (الأدرينالين والنورأدرينالين)، مما يسبب:
- ارتفاع ضغط الدم
- اضطرابات نظم قلب
- تعرّق شديد بدون سبب
كما يمكن أن، تظهر أعراض أخرى في حال إصابة أنسجة أو أعضاء أخرى.
تشخيص متلازمة الأورام الصماويّة المتعددة (MEN)
إنّ تشخيص هذا النوع من المتلازمات يعتمد بشكل كبير على ظهور الأعراض المترافقة مع كل ورم، ويحتاج وضع التشخيص وجود نوعين أو أكثر من الأورام المتوافقة مع كل نوع (سرطان الغدة االنخاميّة وسرطان البنكرياس أو سرطان الغدد جارات الدرق في حالة النمط الأول MEN 1) وتتضمن الاختبارات التشخيصيّة مايلي:
- اختبارات مخبريّة دمويّة: بهدف قياس تراكيز الهرمونات المختلفة.
- تصوير شعاعي: من خلال إجراء التصوير المقطعي المحوسب CT، أو الرنين المغناطيسي MRI للكشف عن وجود الكتل الورميّة.
- اختبارات جينيّة: للبحث عن وجود طفرات في الجينات المختلفة التي تسبب ظهور هذه المتلازمة.
علاج متلازمة الأورام الصماويّة المتعددة (MEN)
يختلف العلاج باختلاف الغدد المصابة، ويعتمد العلاج بشكل الأساسي على علاج الأعراض، وذلك من خلال محاولة السيطرة قدر الإمكان على تراكيز الهرمونات، إذ لايوجد علاج شافي بشكل كامل، ويتم التعامل مع كل ورم على حدى، ويكون من بين الخيارات العلاجيّة:
الجراحة
غالباً ماتكون الجراحة هي الخيار العلاجي الأساسي في هذه المتلازمة، خاصةً عندما تظهر الأعراض المتعلّقة باضطراب تراكيز الهرمونات في الدم، وتكون الخيارات الجراحيّة:
- جراحة استئصال الغدد جارات الدرق في MEN1: يتم عادةً استئصال 3 غدد ونصف من أصل 4 غدد جارات درقيّة، وفي بعض الأحيان يمكن استئصال كل الغدد، ثم زراعة غدة منها في مكان اخر من الجسم.
- استئصال أورام البنكرياس المفرزة للأنسولين وأورام السبيل الهضمي المفرزة للغاسترين وذلك في حال عدم السيطرة عليها بالعلاج الدوائي.
- استئصال الغدة الدرقيّة في MEN 2: يتم القيام بهذا الإجراء عند إصابة الغدة بالسرطان النخاعي (MTC)، أو عند تأكيد التشخيص بالمتلازمة، بهدف الوقاية من السرطان النخاعي، الذي يعتبر من السرطانات سريعة الانتشار.
- استئصال الغدة الكظرية: في هذه الحالة قد يتم استئصال الغدتين في حال إصابتهما، ولكن يحرث الأطباء على ترك جزء سليم من الغدة بهدف المحافظة على توازن الهرمونات في الجسم.
علاجات أخرى
- العلاج الدوائي: يهدف العلاج الدوائي للمحافظة على توازن الهرمونات وتخفيف الأعراض، بالإضافة للقضاء على بعض الأورام أو تثبيط نموّها.
- العلاج الإشعاعي: يلجأ الأطباء لهذا الخيار في بعض الحالات الخاصة كأورام الغدة النخاميّة التي لايمكن استئصالها بالجراحة أو لمعالجة انتشار النقائل في الجسم.

وفي الختام تُعد متلازمات الأورام الصماويّة المتعدّدة (MEN) من الاضطرابات الوراثيّة النادرة التي قد تؤثّر في عدّة غدد صمّاء في الجسم، لذلك يتطلب التعامل معها متابعة دقيقة وخطّة علاجيّة مخصصة لكل مريض، كما ويساعد التشخيص المبكّر والفحوصات الجينيّة والمتابعة المنتظمة على اكتشاف الأورام والتغيّرات الهرمونية في مراحل مبكّرة، ممّا يتيح التدخل المناسب وتقليل خطر حدوث المضاعفات. وبفضل تطوّر الجراحة والعلاجات الدوائيّة بالإضافة لغيرها من الخيارات العلاجيّة، جعل من الممكن السيطرة على كثير من المشكلات المرتبطة بمتلازمة الأورام الصماويّة المتعدّدة (MEN) وتحسين جودة حياة المرضى.
المصادر:
- Cancer Institute. (n.d.). Multiple endocrine neoplasia (MEN) syndromes. National Cancer Institute.
- Johns Hopkins Medicine. (2021). Multiple endocrine neoplasia (MEN). Johns Hopkins Medicine.
- Khatami, F., & Tavangar, S. M. (2018). Multiple endocrine neoplasia syndromes from genetic and epigenetic perspectives. Biomarker Insights, 13, 1–9.
