يشهد مجال جراحة الرأس والعنق تطورًا مستمرًا مع ظهور تقنيات حديثة تساعد الجراحين على الوصول إلى المناطق العميقة والمعقدة من الفم والبلعوم بدقة أكبر، وتقليل الحاجة إلى بعض أنواع الجراحات المفتوحة الواسعة، ومن بين هذه التطورات برزت الجراحة الروبوتية عبر الفم (TORS)، التي تجمع بين الوصول الجراحي من خلال الفم والتقنيات الروبوتية المتقدمة، مما أتاح التعامل مع بعض الأورام والحالات الموجودة في مناطق يصعب الوصول إليها بالطرق الجراحية التقليدية.
تُستخدم الجراحة الروبوتية عبر الفم حاليًا في مراكز متخصصة حول العالم، بما في ذلك عدد من المراكز المتقدمة في تركيا، حيث يمكن للمرضى الدوليين الاستفادة من الخبرات المتخصصة والتقنيات الحديثة في جراحة الرأس والعنق ضمن رحلة علاجية منظمة، ويعتمد اختيارها على طبيعة الحالة وموقعها وحجمها، لذلك يتطلب تحديد مدى ملاءمتها تقييمًا دقيقًا من قبل فريق طبي متخصص قبل اتخاذ القرار العلاجي.
ما هي الجراحة الروبوتية عبر الفم (TORS)؟
الجراحة الروبوتية عبر الفم (TORS) هي تقنية جراحية طفيفة التوغل تتيح للجراح الوصول إلى المناطق العميقة من الفم والحلق وإجراء الجراحة من خلال الفم، بالاعتماد على نظام روبوتي مزود بأدوات جراحية دقيقة وكاميرا عالية الدقة توفر رؤية واضحة ومكبرة للمنطقة المستهدفة، وتُستخدم بشكل خاص في علاج بعض أورام الرأس والعنق، مع إمكانية تقليل الحاجة إلى الشقوق الجراحية الخارجية مقارنةً ببعض الأساليب الجراحية التقليدية.

كيف يتم التحضير للجراحة الروبوتية عبر الفم؟
قبل إجراء الجراحة الروبوتية عبر الفم، يخضع المريض لتقييم طبي شامل يساعد الفريق الجراحي على التخطيط للعملية وتحديد مدى ملاءمتها لحالته، ويشمل ذلك إجراء بعض الفحوص التصويرية اللازمة لتقييم موقع الورم وحجمه ومدى انتشاره، كما يُجرى تقييم لوظيفة البلع قبل الجراحة، خاصةً لدى المرضى الذين قد تؤثر الجراحة في قدرتهم على البلع، وقد تتم الاستعانة باختصاصيي النطق والبلع لتقييم وظيفة البلع ووضع خطة مناسبة للتعافي بعد العملية، كذلك يتلقى المريض تعليمات محددة قبل موعد الجراحة، مثل الامتناع عن تناول الطعام والشراب لفترة معينة قبل التخدير، ويُطلب منه إيقاف بعض الأدوية أو تعديل جرعاتها، وخاصة الأدوية التي تؤثر في تخثر الدم، ويحدد الجراح وطبيب التخدير التعليمات اللازمة لكل مريض بحسب حالته الصحية ونوع الجراحة المقرر إجراؤها.
كيف تُجرى الجراحة الروبوتية عبر الفم؟
تُجرى الجراحة الروبوتية عبر الفم تحت التخدير العام، حيث يستلقي المريض على طاولة العمليات بينما توضع أذرع النظام الروبوتي فوقه، ويكون الجراح جالسًا أمام وحدة التحكم التي تتيح له التحكم بدقة في حركة الأدوات الجراحية، وبعد التخدير يُدخل الجراح منفذ النظام الروبوتي عبر الفم، ثم يضع الكاميرا في الموضع المناسب للحصول على أوضح رؤية ممكنة للمنطقة المستهدفة، وتوفر الكاميرا صورة عالية الدقة ومكبرة لمجال الجراحة، وقد توفر بعض الأنظمة رؤية ثلاثية الأبعاد مما يساعد على تحديد موقع وأبعاد الورم والأنسجة المحيطة به.
بعد ذلك، يوجّه الجراح الأدوات الجراحية المثبتة على الأذرع الروبوتية من خلال وحدة التحكم لإجراء الاستئصال بدقة، مع إمكانية تحريك الأدوات في المساحات الضيقة والوصول إلى المناطق التي قد يصعب التعامل معها بالطرق الجراحية التقليدية، ويعمل الجراح على إزالة الكتلة أو الورم واستئصال النسيج المصاب بالكامل قدر الإمكان، مع الحفاظ على الأنسجة السليمة المحيطة بالمنطقة المستهدفة، وفي بعض حالات سرطان الرأس والعنق، قد يحتاج المريض أيضًا إلى إزالة بعض العقد اللمفاوية الموجودة في الرقبة للتحقق من احتمال انتشار السرطان إليها.

بعد الجراحة، يحتاج المريض عادةً إلى البقاء في المستشفى للمراقبة والتعافي، وقد يُمنع من تناول الطعام والشراب عن طريق الفم لعدة أيام بحسب طبيعة العملية وتقييم الفريق الطبي، وتلتئم المنطقة التي أُجريت فيها الجراحة عادةً تدريجيًا خلال الأسابيع التالية، وقد يعاني المريض من ألم أو صعوبة في البلع خلال فترة التعافي، ويمكن السيطرة على الألم عادةً باستخدام الأدوية المناسبة، بينما تتحسن صعوبة البلع لدى كثير من المرضى خلال فترة أسبوعين تقريبًا.
ما الحالات التي يمكن علاجها باستخدام الجراحة الروبوتية عبر الفم؟
تُستخدم الجراحة الروبوتية عبر الفم في علاج عدد من الأورام والآفات الموجودة في مناطق الرأس والعنق التي يمكن الوصول إليها من خلال الفم، ومن أبرز الحالات التي يمكن استخدام الجراحة الروبوتية عبر الفم لعلاجها هي:
- أورام البلعوم الفموي، وخاصة أورام اللوزتين وقاعدة اللسان
- سرطان اللوزتين
- أورام قاعدة اللسان
- أورام البلعوم السفلي
- أورام الحنجرة التي يمكن الوصول إليها واستئصالها عبر الفم
- بعض حالات سرطان الرأس والعنق
- كيسات وأورام الفم الحميدة
- بعض حالات انقطاع التنفس الانسدادي أثناء النوم

من هم المرضى المرشحون للجراحة الروبوتية عبر الفم؟
يُحدد مدى ملاءمة الجراحة الروبوتية عبر الفم بناءً على موقع الورم أو الآفة وحجمها ومدى انتشارها، إضافةً إلى الحالة الصحية العامة للمريض وقدرته على تحمل الجراحة والتخدير العام، وتكون خيارًا مناسبًا بشكل خاص عندما يكون الورم موجودًا في منطقة عميقة أو صعبة الوصول في الفم أو الحلق ويمكن استئصاله بأمان من خلال الفم، كما تكون فرص استخدام هذه التقنية أفضل عندما لا يكون السرطان قد انتشر بشكل واسع إلى العقد اللمفاوية في الرقبة، ولا يكون الورم ممتدًا بشكل كبير إلى عظم الفك أو اللسان أو الحلق، أو ملتصقًا بالأوعية الدموية الرئيسية والبنى الحيوية المحيطة.
وفي بعض حالات انقطاع التنفس الانسدادي أثناء النوم، قد يُرشح المرضى الذين لا يستطيعون تحمل جهاز الضغط الهوائي الإيجابي المستمر (CPAP) لإجراء الجراحة الروبوتية عبر الفم بعد تقييم موقع انسداد مجرى الهواء، ويعتمد القرار النهائي على نتائج الفحوص التصويرية والتنظير الداخلي وتقييم الفريق الطبي لكل حالة على حدة.
ما هي مزايا الجراحة الروبوتية عبر الفم؟
توفر الجراحة الروبوتية عبر الفم عددًا من المزايا التي جعلتها خيارًا مناسبًا لبعض المرضى الذين يحتاجون إلى جراحة في المناطق العميقة من الفم والحلق، ومن أبرز هذه المزايا:
- الوصول إلى المناطق العميقة وصعبة الوصول من خلال الفم دون الحاجة إلى شقوق خارجية كبيرة في الوجه أو الرقبة وبالتالي تقليل الندبات.
- رؤية واضحة ومكبرة بفضل الكاميرا ثلاثية الأبعاد عالية الدقة.
- دقة أكبر في التحكم بالأدوات الجراحية، خاصة عند العمل في المساحات الضيقة.
- الحفاظ على قدر أكبر من الأنسجة السليمة المحيطة بالورم عند استئصاله.
- التعافي يكون أسرع لدى معظم المرضى مقارنةً بالجراحات المفتوحة الأكبر حجمًا.
ما هي مضاعفات الجراحة الروبوتية عبر الفم؟
على الرغم أنّ الجراحة الروبوتية عبر الفم تُعد تقنية طفيفة التوغل وقليلة المخاطر، إلا أنها مثل أي إجراء جراحي قد ترتبط ببعض المخاطر والمضاعفات، وتختلف احتمالية حدوثها بحسب موقع الورم وحجمه ونوع الجراحة والإجراءات المصاحبة، ومن أبرز المضاعفات المحتملة:
- صعوبة البلع أو الشعور بعدم الراحة أثناء تناول الطعام وقد يحتاج المريض للتغذية عبر أنبوب.
- الألم، وخاصة عند البلع خلال الأيام الأولى بعد الجراحة.
- النزيف، وقد يحدث أثناء العملية أو بعدها.
- تورم أو التهاب في منطقة الحلق، مما قد يؤثر مؤقتًا في البلع والتنفس.
- العدوى في موضع الجراحة، وهي من المضاعفات المحتملة رغم اتخاذ الإجراءات الوقائية.
- اضطرابات مؤقتة في الكلام أو الصوت، خاصة عند إجراء الجراحة بالقرب من الأنسجة المسؤولة عن النطق.
ختامًا، تمثل الجراحة الروبوتية عبر الفم أحد التطورات الحديثة في جراحات الرأس والعنق، إذ تتيح الوصول إلى مناطق عميقة وصعبة الوصول من خلال الفم مع دقة عالية والحفاظ قدر الإمكان على الأنسجة السليمة، ومع تطور تقنيات الجراحة الروبوتية وخبرة الفرق المتخصصة، أصبحت الجراحة الروبوتية عبر الفم خيارًا علاجيًا مهمًا لبعض المرضى الذين يمكن علاج حالتهم بأمان وفعالية من خلال هذا النهج، ويعتمد تحقيق أفضل النتائج على التشخيص الدقيق واختيار التقنية المناسبة لكل حالة، لذلك يُنصح بإجراء تقييم شامل لدى فريق متخصص في جراحات الرأس والعنق لتحديد الخيارات العلاجية المتاحة.
المصادر:
- Rao, K. N., & Gangiti, K. K. (2021). Transoral Robotic Surgery. Indian journal of surgical oncology, 12(4), 847–853.
- Bekeny, J. R., & Ozer, E. (2016). Transoral robotic surgery frontiers. World journal of otorhinolaryngology – head and neck surgery, 2(2), 130–135.
- Cambridge University Hospitals NHS Foundation Trust. (2025, May 6). Trans oral robotic surgery (TORS) for head and neck cancer.