الورم النقويّ المتعدد: الأعراض، التشخيص وأحدث طرق العلاج

الدكتورة لبابة كامل آخر تحديث: 8 دقيقة قراءة

يعد الورم النقويّ المتعدد ورم دموي خبيث ونادر، يبدأ بصمت داخل نقي العظم، ثمّ يتسلل تدريجيّاً ليؤثر على العظام، الكلى وجهاز المناعة بأكمله، يصيب الورم النقويّ المتعدد الخلايا البلازميّة المسؤولة عن انتاج الأجسام المضادة التي تحمي الجسم من العدوى.

ورغم أنّ المرض كان يعتبر لعقود من أصعب الأورام علاجاً، فإن التطورات الطبية المتسارعة في السنوات الأخيرة، من العلاجات المناعية الحديثة إلى زراعة الخلايا الجذعية المتقدمة، قد غيّرت المعادلة تماماً، ومنحت المرضى فرصاً حقيقية لحياة أطول وأكثر استقراراً. وفي هذا المقال، نأخذكم في جولة شاملة لفهم الورم النقوي المتعدد، كيف يبدأ، وما هي أعراضه التي قد تمر دون أن يلاحظها كثيرون في مراحلها الأولى، وكيف يتم تشخيصه بدقة، وصولاً إلى أحدث بروتوكولات العلاج المتاحة.

ماهو الورم النقويّ المتعدد؟

يمكن تعريف الورم النقويّ المتعدد على أنّه ورم دمويّ خبيث يصيب الخلايا البلازميّة في نقي العظم، والخلايا البلازميّة هي أحد أنواع خلايا الدم البيضاء تعيش في النسيج الإسفنجي للعظم، وتنشأ من الخلايا اللمفاوية البائيّة، تتمثّل وظيفتها في انتاج بروتينات تسمّى الأجسام المضادة تعمل على مهاجمة العوامل الممرضة والقضاء عليها.

أمّا في حالة الورم النقويّ المتعدد تتحول الخلايا البلازميّة إلى خلايا سرطانيّة شاذّة تتكاثر بشكل غير منضبط وتتجمّع في نقي العظم، كما تحدث أخطاء في عمل هذه الخلايا، حيث تنتج بروتيناً شاذاً يسمى البروتين M بدلاً من الأجسام المضادة الطبيعيّة، ويمكن تقسيم الورم حسب نشاطه السريريّ إلى:

  • المرحلة الكامنة: في هذه المرحلة توجد خلايا بلازميّة سرطانيّة لكنّها لاتعطي أيّ من مظاهر أو أعراض تدل على الإصابة بالورم، قد تطورهذه الحالة المرضيّة وتتحول إلى ورم نقويّ متعدد فعّال.
  • المرحلة الفعّالة: تظهر في هذه المرحلة علامات تدل على الإصابة بالورم النقويّ المتعدد، وتبدأ في هذه المرحلة الأعراض السريريّة ومشاكل الكلى والعظام.

أسباب وعوامل خطر الإصابة بالورم النقويّ المتعدد:

إنّ السبب الرئيسي المؤدّي للإصابة بالورم النقويّ المتعدد غير معروف بدقّة، ويعتقد العلماء أنّ للعوامل الجينية دوراً كبيراً في حدوث الإصابة، حيث تؤدّي الطفرات إلى انتاج خلايا بلازميّة شاذة تسبب السرطان، كما يوجد العديد من العوامل التي ترفع خطر الإصابة نذكر منها:

  • العمر: يرتفع خطرالإصابة بالورم النقويّ المتعدد مع التقدم بالعمر، ويكون العمر الوسطي عند تشخيص الإصابة 65 سنة.
  • الجنس: أظهرت الدراسات الحديثة أنّ الإصابة بهذا النوع من السرطان تكون أشيع عند الذكور من الإناث.
  • عوامل وراثية: حيث أنّ وجود صلة قرابة مع شخص لديه إصابة بالمرض يرفع خطر الإصابة بالورم.
  • الاعتلال الغامي وحيد النسيلة غير محدد الأهميّة (MGUS): وهي حالة قد تسبق الإصابة بالورم النقويّ المتعدد، ووجودها يرفع خطر الإصابة، لكن معظم الأشخاص الذين يعانون من هذه الحالة لا تتطورلديهم إلى سرطان.

أعراض الإصابة بالورم النقويّ المتعدد

تختلف الأعراض والمظاهر السريرية باختلاف مراحل المرض، حيث يحدث في الورم النقويّ المتعدد تكاثر شاذ وغير منضبط للخلايا البلازميّة السرطانيّة والتي تتراكم في نقي العظم، ولهذا النوع من الخلايا دور في تنشيط الخلايا الكاسرة للعظم وتثبيط الخلايا البانية مما ينشّط عملية ارتشاف العظم مؤدية بذلك إلى مشاكل عظميّة عديدة وظهور علامات فقر دم، بالإضافة لأعراض عديدة منها:

  • ألم في العظام وخصوصاً عظام الظهر والحوض والصدر.
  • ضعف في العظام وانكسارها بسهولة.
  • تعب عام.
  • نقص وزن.
  • إنتانات متكررة ناجمة عن ضعف الجهاز المناعي للجسم.
  • ضيق تنفس ومظاهر ناجمة عن فقر الدم.

أعراض تحدث بسبب ارتفاع الكالسيوم في الدم

يسبب الورم النقويّ المتعدد ارتفاع في كالسيوم الدم بسبب عملية ارتشاف العظم، والعظام بشكل عام تعد مخازن الكالسيوم في الجسم، وفي حال تدميرها يتم إطلاق محتوها من الكالسيوم في الدم ممايسبب مظاهر سريرة مرتبطة بارتفاع الكالسيوم منها:

  • غثيان.
  • إمساك.
  • غياب شهيّة.
  • ضعف عام.
  • الشعور بالعطش.
  • كثرة التبول.
  • مظاهر عصبيّة كتشوّش الذهن واضطرابات التفكير.
  • اعتلال كلوي قد يتطور إلى فشل كلوي.
  • اضطرابات نظم قلبية.
صورة توضح ألم الظهر في سياق الإصابة بالورم النقوي المتعدد
صورة توضح ألم الظهر في سياق الإصابة بالورم النقوي المتعدد

كيف يتم تشخيص الورم النقوي المتعدد؟

في بعض الحالات يجد الأطباء مؤشرات تدل على الإصابة بالورم من خلال تحاليل دمويّة روتينيّة، مما يدفع الأطباء إلى القيام بمزيد من التحريّات للكشف عن المرض، وإنّ تشخيص الورم النقويّ المتعدد لا يعتمد على فحص تشخيصي واحد، إذ يوجد العديد من الاختبارات التي يمكن القيام بها لوضع التشخيص الدقيق منها:

  • تحاليل الدم المخبريّة: إذ يمكن الكشف عن البروتين الشاذ M الذي تصنّعه الخلايا البلازمية السرطانية في عيّنات الدم العاديّة، كما يمكن من خلال عيّنة الدم قياس تركيز بيتا -2 مايكروغلوبيولين، الذي يفيد في تحديد مرحلة المرض، كما تتيح التحاليل الدمويّة معايرة الكالسيوم، وتشخيص فقر الدم في حال وجوده.
  • تحاليل البول: يمكن لتحاليل البول الكشف عن البروتينات وحيدة النسيلة والسلاسل الخفيفة الحرة وحيدة النسيلة والتي تعرف أيضاً باسم بروتينات بنس جونز.
  • خزعة نقي العظم: يقوم الإطباء بأخذ خزعة من نقي العظم لتأكيد التشخيص ولمعرفة مدى انتشار الخلايا البلازمية السرطانيّة بالإضافة لمعرفة النسبة المئويّة للخلايا البلازميّة السليمة والخبيثة ضمن النسيج العظمي، حيث أنّ وجود خلايا بلازميّة سرطانيّة بنسبة تتعدى 10% يعتبر مشخّصاّ للإصابة بالورم النقوي المتعدد، وإن ارتفاع هذه النسبة يدل على إصابة أِشد، تتم الخزعة من خلال أخذ جزء من نقي العظم الإسفنجي أو رشف سائل من نقي العظم عبر إبرة يتم إدخالها إلى منطقة النقي، غالباً يتم أخذ الخزعة من عظام الورك، كما يمكن أخذها من عظام أخرى، كما تفيد الخزعة في دراسة حالة العظم.
  • تحاليل شعاعيّة: يمكن للتصوير الشعاعي للعظام إعطاء صورة عن مرحلة المرض ومدى انتشاره في الجسم، إذ عندما يتطور المرض تظهر ثقوب أو آفات صغيرة حالة للعظم، يمكن الكشف عنها ودراسة خصائصها من خلال عدّة فحوصات شعاعيّة منها المسح الهيكلي للعظام، الأشعة السينيّة (X- Ray)، التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI)، التصوير المقطعي المحوسب، والتصوير بالإصدار البوزيتروني (PET).
صورة توضح إجراء أخذ خزعة من نقي عظم الحوض
صورة توضح إجراء أخذ خزعة من نقي عظم الحوض

مراحل الإصابة بالسرطان النقوي المتعدد

يلجأ الأطباء إلى النظام العالمي للمراحل (ISS) لوضع مرحلة السرطان الدقيقة، يعتمد هذا النظام على معايرة تراكيز بيتا-2 مايكروغلوبيولين، الألبومين، و أنزيم نازعة هيروجين اللاكتات (LDH) في الدم حيث تشير تختلف مرحلة المرض والإنذار باختلاف تراكيز المركبات السابقة، وتتم وضع المراحل على النحو اللآتي:

  • المرحلة الأولى: يكون تركيز بيتا-2 ميكروغلوبيولين أصغر من 3.5 مللغرام في الليتر، تركيز الألبومين أكبر من 3.5 غرام في الديسليتر، وتركيزأنزيم نازعة هيروجين اللاكتات (LDH) ضمن الطبيعي، حيث في هذه المرحلة لا توجد تغيرات صبغية عالية الخطورة، ويكون المرض أقل خطورة وأفضل إنذاراً.
  • المرحلة الثانية: يتم تحديد المرحلة الثانية للمرض عندما تكون المعاير غير متوافقة مع المرحلة الأولى أو الثالثة، يكون الإنذار أخطر من المرحلة الأولى وأفضل من المرحلة الثالثة.
  • المرحلة الثالثة: يكون تركيز بيتا-2 ميكروغلوبيولين أكبرمن 5.5 مللغرام في الليتر، وتركيزأنزيم نازعة هيروجين اللاكتات (LDH) أعلى من الطبيعي، مع وجود تغيرات صبغية جينية عالية الخطورة، يكون الإنذار أكثر خطورة من المراحل السابقة.

علاج الورم النقوي المتعدد

إن وضع التشخيص الصحيح والمرحلة السريريّة بدقّة أمر بالغ الأهمية في وضع الخطة العلاجية المناسبة لكل مريض، حيث تتوافر العديد من الخيارات العلاجيّة التي يمكن تطبيقها، ويعتمد نجاح العلاج على مرحلة المرض، حالة المريض، ومدى تحمله للآثار العلاج، عند تشخيص المرض يهدف العلاج بشكل عام إلى تخفيف الأعراض والألم، تدبير فقر الدم وارتفاع الكالسيوم، بالإضافة إلى خفض عدد الخلايا البلازميّة السرطانيّة إلى أقل مايمكن، وتشمل الخيارات العلاجية مايلي:

  • العلاج الدوائي: قد يتضمن مزيجاً من عدة أدوية بحيث يعمل كل منها على آلية مختلفة، ومنها:
    • العلاج الموجّه: يستهدق بروتينات وخلايا تساعد الخلايا البلازميّة الشاذّة، مما يؤدي لإضعاف هذه الخلايا وقتلها، ومن أمثلة العلاج الموجّه، مثبطات البروتيازوم والأجسام المضادة وحيدة النسيلة.
    • العلاج المناعي: يساعد هذا النوع من العلاجات خلايا الجسم المناعيّة على التعرف على الخلايا السرطانيّة ومهاجمتها، من أمثلته: الأجسام المضادة ثنائية التخصص، والعلاج بالخلايا التائية ذات مستقبل المستضد الخيمري (CAR-T).
    • العلاج الكيميائي: يعمل العلاج الكيميائي على استهداف الخلايا السرطانية، ويعد من الخيارات العلاجيّة الهامة في سياق معالجة الورم النقوي المتعدد، وقد يتم استعمال هذا النوع من العلاج قبل إجراء زرع لنقي العظم.
  • زرع الخلايا الجذعيّة: يعد من بين أبرز الخيارات العلاجيّة في هذا النوع من السرطانات، غالباً يكون الزرع من النمط الذاتي (أي تستخدم خلايا جذعيّة سليمة من نفس الشخص المصاب)، حيث يتم إعطاء المرريض أدوية معيّنة تحفّز خروج الخلايا الجذعيّة إلى الدم ويتم جمعها من خلال أجهزة معينة، ثم تعالج وتحفظ إلى حين الحاجة إليها، بعد ذلك يعطى المريض جرعات عالية من العلاج الكيميائي بهدف القضاء عللى الخلايا السرطانيّة، ثم يتم أعادة الخلايا الجذعية المسحوبة سابقاً من المريض إلى الدم عبر التسريب الوريدي، وفي النهاية تستقر الخلايا الجذعية في نقي العظم وتبدأ عملها في إنتاج خلايا سليمة من جديد.
  • العلاج الإشعاعي: يستخدم العلاج الإشعاعية حزم عالية الطاقة من أعشة معينة بهدف تدمير الخلايا السرطانيّة بشكل كامل، قد يتم استخدام هذا العلاج بغية تخفيف ألم العظام.

قد يعود (ينكس) الورم النقويّ المتعدد بعد المعالجة، لذا من المهم جداً وضع خطة مراقبة بعد إتمام العلاج للكشف عن حالات النكس بشكل باكر.

تدبير مضاعفات الورم النقويّ المتعدد

من المهم أيضاً أثناء العلاج تخفيف الأعراض ومحاولة حماية أعضاء الجسم المختلفة من الأذية الناجمة عن مضاعفات السرطان ويمكن تدبيرها على الشكل:

  • ألم العظم: بعض مسكنات الألم، العلاج الإشعاعي، وفي بعض الحالات يمكن اللجوء إلى العلاج الجراحي.
  • فقدان العظام: إنّ الورم النقويّ المتعدد يسبب تآكل في بنية العظم مما يضعف العظم، مما يتطلب إعطاء أدوية مخصصة لحماية العظام وتقليل مخاطر حدوث الكسور.
  • أذية الكلية: في حال ظهور أي مؤشرات تدل على أذيّة كلوّة يجب التدخل بشكل سريع، من خلال معالجة السبب الذي أثّرعلى عمل الكلى، وفي بعض الحالات الشديدة قد يتطلب الأمر غسيل كلى.
  • العدوى: إنّ هذا النوع من السرطانات يسبب ضعفاً عاماً في الجهاز المناعي، مما يجرد الجسم من أسلحته الدفاعيّة ويجعله عرضة للإصابة بالأمراض المختلفة، لذا من الضروري سد هذه الفجوة من خلال إعطاء اللقاحات والتدابير الوقائية في تقليل الإصابة بالعدوى.

وفي الختام على الرغم من صعوبة تشخيص الورم النقويّ المتعدد، فإن تطوّر أساليب التشخيص والعلاج منح المرضى خيارات أكثر ونتائج أفضل في السيطرة على المرض، ومع المتابعة الطبية المنتظمة والالتزام بالخطة العلاجيّة المناسبة، يمكن للكثير من المرضى الاستمرار في حياتهم وتحقيق جودة حياة جيّدة.

ويبقى الأمل حاضرًا مع استمرار الأبحاث الطبيّة وتطوّر العلاجات المتاحة، لذلك فإنّ الحصول على الرعاية من فريق متخصص في أمراض الدم والأورام، وطرح الأسئلة ومناقشة الخيارات العلاجيّة، يمكن أن يساعد المريض على خوض رحلة العلاج بثقة واطمئنان أكبر.


المصادر:

الأسئلة الشائعة

هل الورم النقويّ المتعدد معدي؟

لا، لايعتبر الورم النقويّ المتعدد ورماً معدياً، ولايمكن أن ينتقل من شخص إلى أخر عن طريق المخالطة أو الطعام أو الدم.

هل يحتاج الشخص المصاب بالورم النقويّ المتعدد لنظام غذائي خاص؟

لا، لايوجد نظام غذائي معيّن، لكن يفيد تناول الطعام الصحي في دعم الصحة العامة.

هل يمكن أن يعود الورم النقويّ المتعدد بعد سنوات من لعلاج؟

نعم، من الممكن أن يعود المرض بعد العلاج، لذا من المهم جداً متابعة الحالة الصحيّة بعد العلاج.

هل يمكن العودة للحياة الطبيعيّة بعد إجراء زراعة الخلايا الجذعيّة؟

نعم، يعود المرضى تدريجيّاً إلى حياتهم وأنشطتهم اليوميّة.

1