شهدت جراحات الرأس والعنق تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الماضية، مما أتاح خيارات علاجية وجراحية أكثر دقة للتعامل مع العديد من الحالات والأورام التي تصيب الحنجرة، ويُعد استئصال الحنجرة من الإجراءات الجراحية المهمة، التي تُستخدم عندما يكون العلاج الجراحي ضروريًا للسيطرة على المرض.
ورغم أن استئصال الحنجرة قد يسبب تغيرات مهمة في التنفس والصوت والبلع، فإن تطور الرعاية الجراحية وإعادة التأهيل وفّر للمريض وسائل متعددة تساعده على التكيف مع هذه التغيرات واستعادة قدر أكبر من القدرة على التواصل وممارسة حياته اليومية، ويعتمد الوصول إلى أفضل نتيجة ممكنة على اختيار الخطة العلاجية المناسبة وإجرائها لدى فريق متخصص في جراحات الحنجرة وأورام الرأس والعنق، مع توفير المتابعة والتأهيل اللازمين خلال مراحل التعافي.
ما هي عملية استئصال الحنجرة؟
استئصال الحنجرة هو إجراء من جراحات الحنجرة يهدف إلى إزالة جزء من الحنجرة أو الحنجرة بالكامل، ويُجرى بشكل أساسي لعلاج بعض أورام الحنجرة، خاصة عندما لا تكون العلاجات الأخرى كافية للسيطرة على المرض، وتختلف كمية الأنسجة التي تتم إزالتها بحسب موقع الورم وحجمه ومدى انتشاره، وقد يتضمن الإجراء استئصال أجزاء محددة من الحنجرة مع الحفاظ على بعض وظائفها، أو إزالة الحنجرة بالكامل في الحالات التي تستدعي ذلك.
لماذا تُجرى جراحة استئصال الحنجرة؟
يُجرى استئصال الحنجرة بشكل أساسي لعلاج سرطان الحنجرة، خاصةً عندما يكون الورم كبيرًا، أو عندما يمتد إلى أجزاء متعددة من الحنجرة والأنسجة المجاورة، ويُوصى بالجراحة أيضًا عندما لا يستجيب الورم للعلاج الإشعاعي أو ينكس بعد العلاج، ويعتمد القرار النهائي لاستئصال الحنجرة على مرحلة الورم، إضافةً إلى الحالة الصحية العامة للمريض وإمكانية الحفاظ على وظائف الحنجرة.
وفي بعض الحالات الأقل شيوعًا، يتم استئصال الحنجرة لعلاج أمراض أو إصابات شديدة في الحنجرة عندما تكون الأنسجة متضررة بشكل لا يمكن إصلاحه، كما يمكن أن يكون جزءًا من علاج بعض الأورام التي تمتد من المناطق المجاورة إلى الحنجرة.
كيف تُجرى عملية استئصال الحنجرة؟
تُجرى عملية استئصال الحنجرة تحت التخدير العام، ويبدأ الجراح عادةً بإجراء شق في مقدمة الرقبة للوصول إلى الحنجرة والأنسجة المحيطة بها، ثم يحدد الأجزاء المصابة التي تحتاج إلى الاستئصال مع الحفاظ على الأنسجة السليمة قدر الإمكان، وقد يقتصر الاستئصال في بعض الحالات على جزء من الحنجرة، بينما قد يستدعي الورم الأكثر انتشارًا إزالة الحنجرة بالكامل، كما يمكن أن تشمل الجراحة إزالة العقد اللمفاوية في الرقبة أو بعض الأنسجة المجاورة إذا كان المرض قد امتد إليها أو كان هناك خطر لانتشاره إليها.
في حالة استئصال الحنجرة الكلي، تُزال الحنجرة بالكامل مع فصل مجرى التنفس عن البلعوم، ثم يُعاد تنظيم مسار الجهاز التنفسي بحيث يصبح للمريض فتحة دائمة في مقدمة الرقبة تُعرف بالفغرة الرغامية، ويُغلق الجزء العلوي من مجرى التنفس بحيث لا يعود الهواء يمر من الأنف والفم إلى الرئتين، بينما يُعاد بناء المنطقة الجراحية وإغلاقها بعد التأكد من سلامة الأنسجة والسيطرة على النزف، وقد يحتاج المريض لاستخدام أنابيب تصريف مؤقتة للمساعدة على التخلص من السوائل المتجمعة خلال الأيام الأولى بعد الجراحة.
تستغرق الجراحة عدة ساعات في العادة، وتختلف بحسب مدى الاستئصال والإجراءات التي تُجرى معها، وبعد انتهاء العملية يُنقل المريض إلى منطقة المراقبة ثم إلى القسم الجراحي لمتابعة التنفس، والعناية بالفغرة، ومراقبة الجرح والبلع والتغذية، وتحديد خطة التعافي.
ماذا يحدث بعد استئصال الحنجرة؟
بعد استئصال الحنجرة، تختلف التغيرات التي يمر بها المريض بحسب نوع الجراحة ومدى الاستئصال، وتكون التغيرات أكثر وضوحًا بعد استئصال الحنجرة الكلي، إذ تصبح الحنجرة غير موجودة ويُفصل مجرى التنفس عن الجهاز الهضمي، لذلك يتنفس المريض عبر فغرة دائمة في مقدمة الرقبة تُعرف بالفغرة الرغامية، ويحتاج إلى تعلم كيفية العناية بها والحفاظ على نظافتها وترطيب مجرى التنفس، كما يتلقى المريض إرشادات حول التعامل مع الإفرازات والعناية بالجلد المحيط بها.

أما الكلام، فتختلف تأثيرات استئصال الحنجرة على الصوت بحسب مدى الاستئصال، ففي الاستئصال الجزئي تبقى أجزاء من الحنجرة والحبال الصوتية، مما يسمح بالحفاظ على قدر من القدرة الطبيعية على الكلام، وإن كان الصوت قد يتغير بعد الجراحة، أما بعد استئصال الحنجرة الكلي فتزول الحنجرة والأحبال الصوتية بالكامل، لذلك يحتاج المريض إلى استخدام وسائل بديلة لإنتاج الصوت والتواصل.
وقد تتأثر عملية البلع مؤقتًا بعد الجراحة، لذلك يحتاج بعض المرضى في البداية إلى التغذية عبر أنبوب حتى يصبح البلع آمنًا، ثم تُعاد السوائل والأطعمة تدريجيًا، كما قد يحتاج بعض المرضى إلى تقييم وعلاج لدى اختصاصي النطق والبلع للمساعدة على استعادة وظيفة البلع بأمان، ومع اكتساب مهارات العناية بالفغرة واستخدام وسيلة مناسبة للتواصل وإعادة التأهيل، يستطيع كثير من المرضى التكيف مع الحياة بعد استئصال الحنجرة وممارسة العديد من أنشطتهم اليومية، مع استمرار المتابعة الطبية حسب الحاجة.
كيف يمكن استعادة الصوت بعد استئصال الحنجرة الكلي؟
بعد استئصال الحنجرة الكلي، يفقد المريض القدرة على إصدار الصوت بالطريقة الطبيعية بسبب إزالة الحنجرة والأحبال الصوتية، لكن توجد عدة وسائل تساعد على استعادة القدرة على الكلام أو التواصل، ومن أبرز هذه الخيارات:
النطق الرغامي المريئي والصمام الصوتي (TEP and Voice Prosthesis)
الأشيع، ويتضمن إنشاء ممر بين الرغامى والمريء، يوضع فيه صمام صوتي أحادي الاتجاه يسمح بمرور الهواء من الرغامى إلى المريء، ثم يؤدي مرور الهواء إلى اهتزاز الأنسجة البلعومية وتكوين صوت يمكن تحويله إلى كلام باستخدام اللسان والفم، ويمكن إجرائه ووضع الصمام الصوتي أثناء استئصال الحنجرة أو في وقت لاحق، ويحتاج المريض إلى تعلم طريقة استخدام الصمام والعناية به.

جهاز النطق الإلكتروني (Electrolarynx)
هو جهاز إلكتروني محمول يولد اهتزازات يمكن نقلها عبر أنسجة الرقبة أو الخد، ثم يستخدم المريض الفم واللسان والشفتين لتشكيل هذه الاهتزازات إلى كلام مفهوم، ويحتاج استخدام الجهاز إلى فترة من التدريب والتأهيل، وقد يجد بعض المرضى أن الصوت الناتج يبدو مختلفًا عن الصوت الطبيعي أو يحمل طابعًا إلكترونيًا.

الكلام المريئي (Esophageal Speech)
يعتمد الكلام المريئي على إدخال كمية صغيرة من الهواء إلى المريء ثم إخراجها بطريقة تولد اهتزازًا يمكن استخدامه لإنتاج الكلام، ولا يحتاج هذا الأسلوب إلى جهاز أو صمام صوتي، لكنه يتطلب تدريبًا وممارسة، وقد يكون تعلمه أكثر صعوبة من بعض وسائل استعادة الصوت الأخرى.
وسائل التواصل غير الصوتية
عندما يكون إنتاج الكلام صعبًا، يمكن استخدام وسائل أخرى للتواصل، مثل الكتابة، أو الهاتف والكمبيوتر، أو الإشارات وحركات الوجه، كما يمكن لبعض المرضى تعلم لغة الإشارة بحسب احتياجاتهم وقدرتهم على استخدامها.
وفي الختام، يُعد استئصال الحنجرة من الجراحات المهمة في علاج أورام الحنجرة والحالات المتقدمة التي قد لا يكون فيها الحفاظ على الحنجرة ممكنًا، ورغم التغيرات التي تطرأ على التنفس والصوت والبلع بعد الجراحة، فإن وسائل إعادة التأهيل الحديثة تساعد المريض على التكيف مع هذه التغيرات واستعادة قدرته على التواصل وممارسة حياته اليومية.
ويعتمد نجاح العلاج إلى حد كبير على دقة تقييم الحالة واختيار نوع الجراحة المناسب، إلى جانب المتابعة والتأهيل بعد العملية، ومع توفر فرق متخصصة في جراحات الرأس والعنق وإعادة تأهيل الصوت، أصبحت خيارات علاج استئصال الحنجرة متاحة ضمن مراكز متخصصة في تركيا، بما يتيح للمرضى الباحثين عن العلاج خارج بلدانهم الحصول على رعاية متكاملة تمتد من التقييم الجراحي إلى مراحل التعافي والتأهيل.
المصادر: