العلاج بالخلايا CAR-T للسرطان: كيف يعيد الجهاز المناعي برمجة نفسه لمحاربة الورم؟

الدكتورة لبابة كامل آخر تحديث: 8 دقيقة قراءة

العلاج بالخلايا CAR-T للسرطان هو أحد أكثر التطورات إثارة للاهتمام في مجال علاج السرطان، إذ يعتمد على فكرة مختلفة عن العلاجات التقليديّة: بدلًا من مهاجمة الورم مباشرة، يمكن تدريب خلايا من جهاز المناعة لدى المريض وتعديلها لتصبح أكثر قدرة على التعرف على الخلايا السرطانيّة ومهاجمتها.

وقد أحدث هذا النهج تحولًا مهمًا في علاج بعض سرطانات الدم، ولا سيّما الحالات التي لم تستجب بشكل كافٍ للعلاجات السابقة أو عادت بعد فترة من العلاج، ومع ذلك، فإن CAR-T ليس علاجاً مناسباً لجميع أنواع السرطان، وما تزال الأبحاث مستمرة لتوسيع استخدامه ليشمل الأورام الصلبة أيضًا، فكيف تعمل هذه الخلايا المعدلة داخل الجسم؟ وكيف تُصنع وتُعطى للمريض؟ وما السرطانات التي يمكن علاجها بها، وما فرص نجاحها ومخاطرها؟ في هذا المقال، نستعرض رحلة علاج CAR-T من المختبر إلى جسم المريض، ونوضح آلية عمله، ومراحل العلاج، وآثاره الجانبيّة، ومستقبله في علاج السرطان.

ماهو العلاج بالخلايا CAR-T للسرطان؟

لفهم هذا النوع من العلاج، من المفيد أولًا فهم ماهي الخلايا اللمفاويّة التائيّة، فالخلايا اللمفاويّة هي أحد أنواع خلايا الدم البيضاء، تؤدّي دوراً مهماً في مكافحة العوامل الممرضة المختلفة التي يتعرض لها الجسم، بما في ذلك السرطانات، وللخلايا اللمفاويّة أنواع عديدة منها الخلايا التائيّة، تنتقل الخلايا التائيّة في أنحاء الجسم للبحث عن الخلايا غير الطبيعيّة وتعمل على تدميرها، وعندما يتعرض الجسم لعدوى أو مرض جديد، يُنتج الجسم خلايا تائيّة لمكافحة تلك العدوى، ثمّ يحتفظ ببعض هذه الخلايا كاحتياطي، بحيث إذا تعرض الشخص للعدوى نفسها مرة أخرى، يستطيع الجسم التعرف عليها ومهاجمتها بسرعة.

يرمز مصطلح CAR-T إلى «مستقبل المستضد الخيمري للخلايا التائيّة»، وهو مستقبل مصمم لمساعدة الخلايا التائيّة على التعرف بشكل أكثر دقّة على أهداف محددذة موجودة على سطح الخلايا السرطانيّة، ويعد العلاج بالخلايا CAR-T أحد أنواع العلاج المناعي للسرطان، إذ يعتمد على تعزيز قدرة الجهاز المناعي على التعرف على الخلايا السرطانيّة ومهاجمتها، ففي بعض الحالات تتمكن بعض الخلايا السرطانيّة من الإفلات من الخلايا التائيّة الطبيعيّة، لأنّها لا تكون واضحة بما يكفي بالنسبة لها، وقد أصبح جزءاً العلاج بالخلايا CAR-T من الخيارات العلاجيّة لبعض الحالات السرطانيّة الصعبة، كسرطانات الدم، بما فيها أنواع محددة من ابيضاض الدم واللمفوما والورم النقوي المتعدد، خاصةً لدى بعض المرضى الذين لم يستجيبوا بشكل كافٍ للعلاجات السابقة أو عاد لديهم المرض بعد العلاج.

صورة توضح ماهي الخلايا Car-T
صورة توضح ماهي الخلايا Car-T

تفاصيل علاج السرطان بالخلايا CAR-T

إنّ علاج السرطان بالخلايا CAR-T يتطلب رعايّة خاصّة قبل، أثناء، وبعد أعطاء الخلايا المعدّلة ويمكن تقسم المراحل على الشكل:

التحضير قبل العلاج

بعد اتخاذ قرار استخدام علاج CAR-T، يبدأ التحضير بجمع خلايا الدم البيضاء من المريض، ثم تُنقل هذه الخلايا إلى منشأة متخصصة لإتمام عملية تصنيع العلاج، وقد تستغرق هذه العملية عادةً نحو ثلاثة إلى ستة أسابيع، وخلال هذه الفترة قد يحتاج بعض المرضى إلى علاج مؤقّت، مثل العلاج الكيميائي أو الإشعاعي، للسيطرة على المرض إلى حين تجهيز الخلايا، ويُعرف هذا أحيانًا باسم العلاج الجسري، وقبل إعطاء خلايا CAR-T مباشرة، يتلقى المريض دورة قصيرة من العلاج الكيميائي لتقليل عدد بعض الخلايا المناعيّة وتهيئة الجسم لاستقبال العلاج.

أثناء العلاج

يُعطى علاج CAR-T عن طريق التسريب الوريدي، وتشبه طريقة إعطائه إلى حد كبير عملية نقل الدم. توضع الخلايا في كيس طبي، ثم تُوصل به أنبوب وريدي يسمح بدخول الخلايا إلى مجرى الدم. وعادةً تستغرق عملية التسريب نفسها مدة تتراوح بين خمس وثلاثين دقيقة، وقد تتم داخل المستشفى بحسب حالة المريض والخطة العلاجيّة المتّبعة.

بعد العلاج

تحتاج الفترة التي تلي إعطاء CAR-T إلى مراقبة دقيقة، لأنّ بعض المضاعفات قد تظهر خلال الأيام الأولى بعد العلاج، لذلك قد يُطلب من المريض البقاء في المستشفى، وغالباً تستمر الإقامة نحو سبعة إلى عشرة أيام، مع اختلاف المدة من شخص لآخر بحسب حالته واستجابته للعلاج، وبعد الخروج من المستشفى، يُنصح عادةً بالبقاء بالقرب من المركز العلاجي خلال الشهر الأول، بحيث يمكن الوصول إليه بسرعة عند ظهور أي مشكلة، كما يحتاج المريض إلى وجود شخص معه على مدار الساعة خلال هذه الفترة للمساعدة في حال حدوث مضاعفات، وقد يُطلب منه تجنب القيادة لمدة تصل إلى شهرين بعد تلقي الخلايا.

صورة توضح كيفية استخراج الخلية التائية العادية وتحويلها الى خلية تائية تحوي على سطحها مستضد خيمري
صورة توضح كيفية استخراج الخلية التائية العادية وتحويلها الى خلية تائية تحوي على سطحها مستضد خيمري

ماهي السرطانات التي يمكن علاجها بالخلايا CAR-T؟

حاليًا، يُستخدم العلاج بالخلايا CAR-T كخيار علاجي لبعض سرطانات الدم، خاصةً عندما لا تستجيب الحالة للعلاجات الأخرى أو عندما يعود السرطان بعد العلاج. وتشمل هذه السرطانات:

  • ابيضاض الدم اللمفاوي الحاد من الخلايا البائيّة (ALL).
  • اللمفوما كبيرة الخلايا البائيّة المنتشرة.
  • اللمفوما الجريبيّة.
  • اللمفوما عالية الدرجة من الخلايا البائيّة.
  • لمفوما الخلايا الوشاحيّة .
  • الورم النقوي المتعدد.
  • اللمفوما كبيرة الخلايا البائيّة الأولية في المنصف.

ما أنواع خلايا CAR-T؟

تختلف علاجات CAR-T عن بعضها بحسب المستضد الذي صُممت الخلايا التائيّة المعدلة للتعرف عليه، ولذلك يرتبط كل نوع من العلاج بأنواع محددة من السرطان، تستهدف معظم علاجات CAR-T المعتمدة المستضد CD19، وهو موجود على سطح العديد من الخلايا البائيّة السرطانيّة، ومن أبرز هذه العلاجات:

  • تيساجينليكليوسيل (Kymriah): الذي يُستخدم في بعض حالات ابيضاض الدم اللمفاوي الحاد من الخلايا البائية لدى الأطفال والشباب، إضافة إلى بعض حالات اللمفوما كبيرة الخلايا البائية واللمفوما الجريبية.
  • أكسكابتاجين سيليوسيل (Yescarta): الذي يستهدف مستضد CD19 ويُستخدم في أنواع محددة من اللمفوما كبيرة الخلايا البائّية واللمفوما الجريبيّة.
  • بريكسوكابتاجين أوتوليوسيل (Tecartus): الذي يُستخدم في بعض حالات لمفوما الخلايا الوشاحيّة وابيضاض الدم اللمفاوي الحاد من الخلايا البائيّة.
  • ليسوكابتاجين ماراليوسيل (Breyanzi): الذي يستخدم في عدّة أنواع من اللمفوما، بما فيها اللمفوما كبيرة الخلايا البائيّة والجريبيّة ولمفوما الخلايا الوشاحيّة، إضافة إلى بعض حالات ابيضاض الدم اللمفاوي المزمن ولمفوما المنطقة الهامشيّة.

تستهدف علاجات أخرى مستضدًا مختلفًا يُعرف باسم BCMA، وهو موجود بشكل خاص على خلايا الورم النقوي المتعدد. ومن أهم هذه العلاجات إيديكابتاجين فيكليوسيل (Abecma) وسيلتاكابتاجين أوتوليوسيل (Carvykti)، ويُستخدم كلاهما في حالات محددة من الورم النقوي المتعدد الناكس أو المقاوم للعلاج.

صورة توضح الفرق في التعامل مع الخلايا السرطانية بين الخلايا التائية العادية والخلايا التائية ذات المستضد الخيمري
صورة توضح الفرق في التعامل مع الخلايا السرطانية بين الخلايا التائية العادية والخلايا التائية ذات المستضد الخيمري

ماهي المخاطر المترتبة على علاج السرطان بالخلايا CAR-T؟

إنّ علاج السرطان بالخلايا CAR-T، كغيره من علاجات السرطان، قد يسبب العديد من المخاطر والآثار الجانبيّة التي في بعض الحالات تكون مهددة للحياة وتطلّب عنايّة صحيّة في المشفى، وإنّ من بين أبرز المخاطر نذكر:

  • تفعيل للمظاهر الالتهابيّة: حيث أن دخول أعداد كبيرة من الخلايا CAR-T إلى الجسم، قد يحفّز استجابة مناعيّة، مما يؤدي لتفعيل مظاهر التهابيّة عديدة منها:
    • الحرارة.
    • تسرع للنبض.
    • انخفاض ضغط الدم.
  • تأثيرات على الجهاز العصبي: إنّ حجم الخلايا CAR-T صغير بمايكفي لتممكن من عبور الحاجز الدماغي الدموي، وإن وصول هذه الخلايا للجهاز العصبي المركزي قد يسبب الغصابة بمتلازمة السميّة العصبيّة بالخلايا المناعيّة المؤثرة، ومن مظاهرها:
    • التشويش والارتباك.
    • صعوبة تذكّر الأشياء.
  • انخفاض تعداد كريات الدم: بعض الخضوع للعلاج بالخلايا CAR-T ينخفض عدد خلايا الدم مما يضعف جهاز المناعة في الجسم، وبالتالي ارتفاع خط رالإصابة بالعدوى، ويمكن تقليل احتماليّة الإصابة بالعدوى من خلاي اتباع تعليمات النظافة كغسل اليدين جيداّ، وعدم مخالطة الأشخاص المصابين بأي نوع من العدوى.

من هم الأشخاص المؤهّلين للحصول على العلاج بالخلايا CAR-T؟

لا يُعد العلاج بالخلايا CAR-T خيارًا مناسبًا لجميع مرضى السرطان، إذ يعتمد ترشيح المريض لهذا العلاج على عدة عوامل، في مقدمتها نوع السرطان، ومرحلة المرض، واستجابته للعلاجات السابقة، إضافة إلى الحالة الصحية العامة للمريض، وكما ذكرنا سابقاً يُستخدم هذا العلاج حالياً بشكل رئيسي لدى المصابين ببعض سرطانات الدم، مثل ابيضاض الدم اللمفاوي الحاد من الخلايا البائيّة، وبعض أنواع اللمفوما، والورم النقوي المتعدد. وغالبًا مايكون خياراً علاجياً عندما يكون السرطان مقاوماً للعلاج، وفي بعض الحالات، يُشترط أن يكون المريض قد تلقى خطين علاجيين سابقين أو أكثر.

تكلفة العلاج بالخلايا CAR-T في تركيا

تُعد تركيا من الدول التي تتوفّر فيها تقنيّات علاجيّة فريدة منها العلاج بالخلايا CAR-T، وإنّ العلاج بالخلايا CAR-T ذو كلفة عالية، نظراً إلى أنّ هذا العلاج من العلاجات المتقدّمة والمتطورة في مجال علاج السرطان، ويعتمد على تقنيات متخصصة في تعديل الخلايا المناعيّة وتصنيعها، إضافة إلى الحاجة إلى مراكز طبية مجهّزة وفرق طبيّة ذات خبرة واسعة في علاج الأورام بالتقنيات المناعّية. وتشير الأسعار المنشورة حالياً إلى أنّ تكلفة العلاج في تركيا قد تتراوح تقريبًا بين 125,000 دولار و 200,000 دولار أمريكي ، مع اختلاف كبير بحسب نوع العلاج المستخدم، وحالة المريض، وما إذا كانت التكلفة تشمل تصنيع الخلايا، والإقامة في المستشفى، والعلاجات المرافقة والمراقبة بعد العلاج.

وفي الختام يمثّل العلاج بالخلايا CAR-T تحوّلًا مهمّاً في مجال علاج السرطان، إذ يعتمد على توظيف خلايا الجهاز المناعي بطريقة متقدمة لاستهداف بعض الخلايا السرطانيّة، وقد أظهر هذا العلاج نتائج واعدة ومهمة لدى بعض المرضى المصابين بسرطانات الدم، خصوصًا في الحالات التي لم تستجب للعلاجات السابقة أو عاد فيها المرض. ومع ذلك، يبقى CAR-T علاجًا متخصصًا لا يناسب جميع المرضى، كما قد يرتبط بآثار جانبية ومضاعفات تستدعي المراقبة الطبية الدقيقة. ومع استمرار الأبحاث والتجارب السريرية، يعمل الباحثون على تطوير هذا العلاج وتوسيع استخدامه ليشمل أنواعًا أخرى من السرطان، مما قد يفتح مستقبلًا آفاقًا جديدة أمام العلاج المناعي المخصص للمرضى.


المصادر:

  1. American Cancer Society. (2025, July 7). CAR T-cell therapy and its side effects.
  2. Sun, D., Shi, X., Li, S., Wang, X., Yang, X., & Wan, M. (2024). CAR-T cell therapy: A breakthrough in traditional cancer treatment strategies (Review). Molecular Medicine Reports, 29(3), 47.
  3. Cancer Research UK. (2024, September 25). CAR T-cell therapy.

الأسئلة الشائعة

هل يمكن تناول الطعام بشكل طبيعي بعد العلاج؟

نعم، يمكن لمعظم المرضى تناول الطعام بشكل طبيعي، لكن قد بوصي الفريق الطبي بتجنب بعض الأطعمة.

هل العلاج بالخلايا CAR-T مؤلم؟

نعم، قد يشعر المريض ببعض الإنزعاجات أثناء القيام ببعض الغجراءات أثناء العلاجن لكنّ إعطء الخلايا CAR-T نفسه لايكون مؤلماً.

هل يسبب العلاج بالخلايا CAR-T تساقط للشعر؟

لا، لايؤثر العلاج بهذه الخلايا على الشعر، لوكن يمكن أن يحدث تساقط للشعر بسبب العلاج الكيميائي المرافق.

هل يمكن استخدام العلاج بالخلايا CAR-T مرة أخرى في حال عودة السرطان؟

نعم، قد يكون العلاج بالخلايا CAR-T للمرة الثانيّة ممكناً، وذلك بناءاً على نتائج العلاج بالمرة الأولى.

هل يمكن علاج بعض السرطانات عند الأطفال بالخلايا CAR-T؟

نعم، تعتبر هذه التقنيّة أمنة عند الأطفال، إذ يمكن استخدام بعض أنواع الخلايا CAR-T لعلاج بعض السرطانات عند الأطفال.

1